أَقُولُ: وَقَدْ تَجَلَّى أَثَرُ هَذَا التَّمْحِيصِ أَكْمَلَ التَّجَلِّي فِي غَزْوَةِ حَمْرَاءِ الْأَسَدِ إِذْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَلَّا يَتْبَعَ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ بِأُحُدٍ ، فَامْتَثَلُوا الْأَمْرَ بِقُلُوبٍ مُطْمَئِنَّةٍ وَعَزَائِمَ شَدِيدَةٍ وَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ تَبْرِيحِ الْجِرَاحِ بِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ . فَلْيَعْتَبِرْ بِهَذَا مُسْلِمُو هَذَا الزَّمَانِ وَلْيَعْلَمُوا مَا هُوَ مِقْدَارُ حَظِّهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ ، وَأَمَّا مَحْقُ الْكَافِرِينَ بِالشَّدَائِدِ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ فَنَاؤُهُمْ وَهَلَاكُهُمْ ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَأْسُ يَسْطُو عَلَيْهِمْ وَفَقْدُ الرَّجَاءِ يَذْهَبُ بِعَزَائِمِهِمْ لِعَدَمِ الْإِيمَانِ الَّذِي يُثَبِّتُ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ فِي الشَّدَائِدِ حَتَّى يُذْهِبَ مَا كَانَ قَدْ بَقِيَ مِنْ نُورِ الْفَضِيلَةِ فِي نُفُوسِهِمْ فَلَا تَبْقَى لَهُمْ شَجَاعَةٌ وَلَا بَأْسٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْ عِزَّةِ النَّفْسِ فَيَكُونُ أَحَدُهُمْ كَالْهِلَالِ فِي الْمِحَاقِ لَا نُورَ لَهُ ، بَلْ يَكُونُ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ ; لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ ، فَذَلِكَ مَحْقُهُ إِذَا غُلِبَ عَلَى أَمْرِهِ ، وَإِذَا هُوَ انْتَصَرَ طَغَى وَتَجَبَّرَ وَبَغَى وَظَلَمَ ، وَذَلِكَ مَحْقٌ مَعْنَوِيٌّ تَكُونُ عَاقِبَتُهُ الْمَحْقُ الصُّورِيُّ ، كَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ لِلْكَافِرِينَ الْمُبْطِلِينَ وُجُودٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ ، وَإِنَّمَا يَبْقَوْنَ ظَاهِرِينَ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ مَنْ يُنَازِعُهُمْ وَيُقَاوِمُ بَاطِلَهُمْ ." [1] "
وقال السعدي:"يقول تعالى مشجعا [ ص 150 ] لعباده المؤمنين، ومقويا لعزائمهم ومنهضا لهممهم: { ولا تهنوا ولا تحزنوا } أي: ولا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم، ولا تحزنوا في قلوبكم، عندما أصابتكم المصيبة، وابتليتم بهذه البلوى، فإن الحزن في القلوب، والوهن على الأبدان، زيادة مصيبة عليكم، وعون لعدوكم عليكم، بل شجعوا قلوبكم وصبروها، وادفعوا عنها الحزن وتصلبوا على قتال عدوكم، وذكر تعالى أنه لا ينبغي ولا يليق بهم الوهن والحزن، وهم الأعلون في الإيمان، ورجاء نصر الله وثوابه، فالمؤمن المتيقن ما وعده الله من الثواب الدنيوي والأخروي لا ينبغي منه ذلك، ولهذا قال [تعالى] : { وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } ."
ثم سلاهم بما حصل لهم من الهزيمة، وبيَّن الحكم العظيمة المترتبة على ذلك، فقال: { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله } فأنتم وإياهم قد تساويتم في القرح، ولكنكم
(1) - تفسير المنار - (4 / 121)