فهرس الكتاب

الصفحة 491 من 586

بفساده وضرورة زواله فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة. فيشاء اللّه أن يبقى الباطل حتى يتكشف عاريا للناس ، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية! وقد يبطىء النصر لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة. فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار. فيظل الصراع قائما حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر ، ولاستبقائه! من أجل هذا كله ، ومن أجل غيره مما يعلمه اللّه ، قد يبطىء النصر ، فتتضاعف التضحيات ، وتتضاعف الآلام. مع دفاع اللّه عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية.

وللنصر تكاليفه وأعباؤه حين يتأذن اللّه به بعد استيفاء أسبابه وأداء ثمنه ، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه: «وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ ، وَآتَوُا الزَّكاةَ ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ» ..

فوعد اللّه المؤكد الوثيق المتحقق الذي لا يتخلف هو أن ينصر من ينصره .. فمن هم هؤلاء الذين ينصرون اللّه ، فيستحقون نصر اللّه ، القوي العزيز الذي لا يهزم من يتولاه؟ إنهم هؤلاء: «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ» .. فحققنا لهم النصر ، وثبتنا لهم الأمر .. «أَقامُوا الصَّلاةَ» .. فعبدوا اللّه ووثقوا صلتهم به ، واتجهوا إليه طائعين خاضعين مستسلمين .. «وَآتَوُا الزَّكاةَ» .. فأدوا حق المال ، وانتصروا على شح النفس ، وتطهروا من الحرص ، وغلبوا وسوسة الشيطان ، وسدوا خلة الجماعة ، وكفلوا الضعاف فيها والمحاويج ، وحققوا لها صفة الجسم الحي - كما قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» ..

«وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ» .. فدعوا إلى الخير والصلاح ، ودفعوا إليه الناس .. «وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ» .. فقاوموا الشر والفساد ، وحققوا بهذا وذاك صفة الأمة المسلمة التي لا تبقى على منكر وهي قادرة على تغييره ، ولا تقعد عن معروف وهي قادرة على تحقيقه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت