فهرس الكتاب

الصفحة 493 من 586

حَتَّى يَكُونَ لَهُمُ السُّلْطَانُ وَحْدَهُمْ ، فَتَفْسُدَ الْأَرْضُ بِفَسَادِهِمْ ، فَكَانَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَى الْعَالَمَيْنِ وَإِحْسَانِهِ إِلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ أَنْ أَذِنَ لِأَهْلِ دِينِهِ الْحَقِّ الْمُصْلِحِينَ فِي الْأَرْضِ بِقِتَالِ الْمُفْسِدِينَ فِيهَا مِنَ الْكَافِرِينَ وَالْبُغَاةِ الْمُعْتَدِينَ ، فَأَهْلُ الْحَقِّ حَرْبٌ لِأَهْلِ الْبَاطِلِ فِي كُلِّ زَمَانٍ ، وَاللهُ نَاصِرُهُمْ مَا نَصَرُوا الْحَقَّ وَأَرَادُوا الْإِصْلَاحَ فِي الْأَرْضِ ، وَقَدْ سَمَّى هَذَا دَفْعًا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْهُ سُبْحَانَهُ ، إِذْ كَانَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِهِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ ، وَسَمَّاهُ دِفَاعًا فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلًّا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ الْمُصْلِحِينَ وَأَهْلِ الْبَاطِلِ الْمُفْسِدِينَ يُقَاوِمُ الْآخَرَ وَيُقَاتِلُهُ . [1]

وقوله تعالى: « وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ » . يبيّن أن هذا التدافع بين الناس .. بين الخير والشر .. بين الحق والباطل ..بين الأقوياء والضعفاء .. بين الأغنياء والفقراء .. بين الأفراد والأفراد ..وبين الجماعات والجماعات .. وبين الأمم والأمم ـ هذا التدافع في كل موقع من مواقع الحياة ، وفى كل متجه فيها ، وعلى كل مورد مواردها ـ هو الذي يحرك دولاب العمل على هذه الأرض ، ويبعث الحياة في كل جانب منها .. ولو كان النّاس متجها واحدا ، ومذهبا واحدا ، وشعورا واحدا ، وتفكيرا واحدا ، ومنزعا واحدا ـ لكانوا شيئا واحدا .. كانوا كتلة باردة متضحمة ، أشبه بجبل من الجليد ، لا تطلع عليه الشمس أبدا!!

فسبحان من خالف بين النّاس فجعل من هذا التخالف مادة الحياة والبناء والعمران ، ولو لا ذلك لفسدت الأرض وضاع الناس: « وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ » ." [2] "

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولولا أنّ الله يدفع ببعض الناس= وهم أهل الطاعة له والإيمان به= بعضًا، وهم أهلُ المعصية لله والشرك به- كما دفعَ عن المتخلِّفين عن طالوتَ يوم جالوت من أهل الكفر بالله والمعصية له، وقد أعطاهم ما سألوا ربَّهم ابتداءً: من بَعْثةِ ملك عليهم ليجاهدوا معه في سبيله= بمن جاهد معه من أهل الإيمان بالله واليقين والصبر، جالوتَ وجنوده="لفسدت الأرض"، يعني: لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم،

(1) - تفسير المنار - (2 / 389)

(2) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 311)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت