«وَمَنِ اتَّبَعَنِ» .. والتعبير بالاتباع ذو مغزى هنا. فليس هو مجرد التصديق. إنما هو الاتباع. كما أن التعبير بإسلام الوجه ذو مغزى كذلك. فليس هو مجرد النطق باللسان أو الاعتقاد بالجنان. إنما هو كذلك الاستسلام. استسلام الطاعة والاتباع ..
وإسلام الوجه كناية عن هذا الاستسلام. والوجه أعلى وأكرم ما في الإنسان. فهي صورة الانقياد الطائع الخاضع المتبع المستجيب.
هذا اعتقاد محمد - صلى الله عليه وسلم - ومنهج حياته. والمسلمون متبعوه ومقلدوه في اعتقاده ومنهج حياته .. فليسأل إذن أهل الكتاب والأميين سؤال التبين والتمييز ووضع الشارة المميزة للمعسكرين على وضوح لا اختلاط فيه ولا اشتباه: «وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ: أَأَسْلَمْتُمْ؟» ..فهم سواء. هؤلاء وهؤلاء. المشركون وأهل الكتاب هم مدعوون إلى الإسلام بمعناه الذي شرحناه. مدعوون للإقرار بتوحيد ذات اللّه ، ووحدة الألوهية ووحدة القوامة. مدعوون بعد هذا الإقرار إلى الخضوع لمقتضاه.
وهو تحكيم كتاب اللّه ونهجه في الحياة.
«فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا» ..فالهدى يتمثل في صورة واحدة. هي صورة الإسلام. بحقيقته تلك وطبيعته. وليس هنالك صورة أخرى ، ولا تصور آخر ، ولا وضع آخر ، ولا منهج آخر يتمثل فيه الاهتداء .. إنما هو الضلال والجاهلية والحيرة والزيغ والالتواء ..
«وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ» .. فعند البلاغ تنتهي تبعة الرسول وينتهي عمله. وكان هذا قبل أن يأمره اللّه بقتال من لا يقبلون الإسلام حتى ينتهوا: إما إلى اعتناق الدين والخضوع للنظام الذي يتمثل فيه. وإما إلى التعهد فقط بالطاعة للنظام في صورة أداء الجزية .. حيث لا إكراه على الاعتقاد ..
«وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ» ..يتصرف في أمرهم وفق بصره وعلمه. وأمرهم إليه على كل حال. [1]
وقال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (85) سورة آل عمران
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 379)