فهرس الكتاب

الصفحة 500 من 586

تريد غير ما أراد الله، أما إذا أردت مصلحة الناس فقد شرع الحق ما فيه مصلحة كل الناس؛ لذلك قال الحق: { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } .

وقد يقول قائل في قوله تعالى: { فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } إن هذه العبارة لا تكفي في منحى اطمئنانا إلى جزاء العمل الذي أتقرب به إلى الله، فالله قد يقبل وقد لا يقبل فهو - سبحانه - لا أحد يكرهه على شيء، ونقول له: إنك ستأتي إلى ربك رضيت أو أبيت فما حاجتك إلى هذا القول؟ لو كنت تستطيع، فكن عاقلا ولا تتمرد على أمر ربك، ويقول الحق: { وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } . والخاسر: مأخوذة من"الخسر"، و"الخسر"هو ذهاب رأس المال وضياعه، والآخرة حياة ليس بعدها حياة، ومن الغباء أن يقول قائل:"سوف أتعذب قليلا ثم تنتهي المسألة"لا، إن المسألة لا تنتهي؛ لأن الآخرة حياة دائمة ولا حياة بعدها." [1] "

إن دين اللّه واحد ، جاءت به الرسل جميعا ، وتعاقدت عليه الرسل جميعا. وعهد اللّه واحد أخذه على كل رسول. والإيمان بالدين الجديد واتباع رسوله ، ونصرة منهجه على كل منهج ، هو الوفاء بهذا العهد. فمن تولى عن الإسلام فقد تولى عن دين اللّه كله ، وقد خاس بعهد اللّه كله.

والإسلام - الذي يتحقق في إقامة منهج اللّه في الأرض واتباعه والخلوص له - هو ناموس هذا الوجود.وهو دين كل حي في هذا الوجود.

إنها صورة شاملة عميقة للإسلام والاستسلام. صورة كونية تأخذ بالمشاعر ، وترتجف لها الضمائر ..

صورة الناموس القاهر الحاكم ، الذي يرد الأشياء والأحياء إلى سنن واحد وشرعة واحدة ، ومصير واحد.

«وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ» ..فلا مناص لهم في نهاية المطاف من الرجوع إلى الحاكم المسيطر المدبر الجليل ..ولا مناص للإنسان حين يبتغي سعادته وراحته وطمأنينة باله وصلاح حاله ، من

(1) - تفسير الشعراوي - ( / 476)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت