قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) سورة النساء وَكَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابُهُ مَأْمُورِينَ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا صَارَتْ بَاغِيَةً فِي أَثْنَاءِ الْحَالِ بِمَا ظَهَرَ مِنْهَا مِنْ نَصْبِ إمَامٍ وَتَسْمِيَتِهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْ لَعْنِ إمَامِ الْحَقِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَإِنَّ هَذَا بَغْيٌ بِخِلَافِ الِاقْتِتَالِ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ قِتَالَ فِتْنَةٍ ؛ وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ ذَكَرَ اقْتِتَالُ الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ قَالَ: { فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى } فَلَمَّا أُمِرَ بِالْقِتَالِ إذَا بَغَتْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ المقتتلتين دَلَّ عَلَى أَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ المقتتلتين قَدْ تَكُونُ إحْدَاهُمَا بَاغِيَةً فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ . فَمَا وَرَدَ مِنَ النُّصُوصِ بِتَرْكِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ: يَكُونُ قَبْلَ الْبَغْيِ وَمَا وَرَدَ مِنَ الْوَصْفِ بِالْبَغْيِ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْقِتَالُ مَعَ عَلِيٍّ وَاجِبًا لَمَّا حَصَلَ الْبَغْيُ ،وَعَلَى هَذَا يَتَأَوَّلُ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ (رضي الله عنهما ) "إذَا حَمَلَ عَلَى الْقِتَالِ فِي ذَلِكَ [1] ، وَحِينَئِذٍ فَبَعْدَ التَّحْكِيمِ وَالتَّشَيُّعِ وَظُهُورِ الْبَغْيِ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ عَلِيٌّ (رضي الله عنه ) وَلَمْ تُطِعْهُ الشِّيعَةُ فِي الْقِتَالِ وَمِنْ حِينَئِذٍ ذَمَّتِ الشِّيعَةُ بِتَرْكِهِمْ النَّصْرَ مَعَ وُجُوبِهِ وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ سُمُّوا شِيعَةً وَحِينَئِذٍ صَارُوا مَذْمُومِينَ بِمَعْصِيَةِ الْإِمَامِ الْوَاجِبِ الطَّاعَةِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (رضي الله عنه ) وَلَمَّا تَرَكُوا مَا يَجِبُ مِنْ نَصْرِهِ صَارُوا أَهْلَ بَاطِلٍ وَظُلْمٍ إذْ ذَاكَ يَكُونُ تَارَةً لِتَرْكِ الْحَقِّ وَتَارَةً لِتَعَدِّي الْحَقِّ . فَصَارَ حِينَئِذٍ شِيعَةَ عُثْمَانَ (رضي الله عنه ) الَّذِينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ"
(1) - وعَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّى وَاللَّهِ لَقَدْ حَرَصْتُ أَنْ أَتَسَمَّتَ بِسَمْتِكَ وَأَقْتَدِىَ بِكَ فِى أَمْرِ فُرْقَةِ النَّاسِ وَأَعْتَزِلَ الشَّرَّ مَا اسْتَطَعْتُ وَإِنِّى أَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مُحْكَمَةً قَدْ أَخَذَتْ بِقَلْبِى فَأَخْبِرْنِى عَنْهَا أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (9) سورة الحجرات ،أَخْبِرْنِى عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَمَا لَكَ وَلِذَاكَ؟ انْصَرِفْ عَنِّى فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنَّا سَوَادُهُ أَقْبَلَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ: مَا وَجَدْتُ فِى نَفْسِى مِنْ شَىْءٍ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ مَا وَجَدْتُ فِى نَفْسِى أَنِّى لَمْ أُقَاتِلْ هَذِهِ الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ كَمَا أَمَرَنِى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. زَادَ الْقَطَّانُ فِى رِوَايَتِهِ قَالَ حَمْزَةُ فَقُلْنَا لَهُ: وَمَنْ تَرَى الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: ابْنَ الزُّبَيْرِ بَغَى عَلَى هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ فَأَخْرَجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَنَكَثَ عَهْدَهُمْ. {ق} فَفِى قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَذَا دَلاَلَةٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الآيَةِ فِى قِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ."السنن الكبرى للبيهقي (8 / 172) (17151) وفتح الباري لابن حجر - (13 / 72) و تاريخ الإسلام للإمام الذهبي - (5 / 465) صحيح"