فهرس الكتاب

الصفحة 565 من 586

حتى إذا قدروا عليهم عاقبوهم بتلك العقوبات بعد تقدير كل مفسدة بقدرها ومراعاة المصلحة العامة ، ومن تاب قبل القدرة عليه لا يعاقب بما هنا من العقوبات ، بل حكمه حكم سائر المسلمين." [1] "

وفي تفسير المنار:"أَيْ إِنَّ جَزَاءَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مَا ذُكِرَ مَحْصُورٌ فِيمَا يُذْكَرُ بَعْدَهُ مِنَ الْعُقُوبَاتِ عَلَى سَبِيلِ التَّرْتِيبِ وَالتَّوْزِيعِ عَلَى جِنَايَاتِهِمْ وَمَفَاسِدِهِمْ ، لِكُلٍّ مِنْهَا مَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ الْعُقُوبَةِ ."

وَالْمُحَارَبَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْحَرْبِ ، وَهِيَ ضِدُّ السِّلْمِ ، وَالسِّلْمُ السَّلَامُ ; أَيِ السَّلَامَةُ مِنَ الْأَذَى وَالضَّرَرِ وَالْآفَاتِ ، وَالْأَمْنُ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ ، وَالْأَصْلُ فِي مَعْنَى كَلِمَةِ الْحَرْبِ التَّعَدِّي وَسَلْبُ الْمَالِ . لِسَانُ الْعَرَبِ: الْحَرَبُ بِالتَّحْرِيكِ ، أَنْ يُسْلَبَ الرَّجُلُ مَالَهُ ، حَرَبَهُ يَحْرُبُهُ (بِوَزْنِ طَلَبَ ، وَكَذَا بِوَزْنِ تَعِبَ) إِذَا أَخَذَ مَالَهُ ، فَهُوَ مَحْرُوبٌ وَحَرِيبٌ ، مِنْ قَوْمٍ حَرْبَى وَحُرَبَاءَ ، ثُمَّ قَالَ: حَرِيبَةُ الرَّجُلِ مَالُهُ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ ، وَالْحَرَبُ بِالتَّحْرِيكِ أَخْذُ الْحَرِيبَةِ ; فَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ وَيَتْرُكَهُ بِلَا شَيْءٍ يَعِيشُ بِهِ ، انْتَهَى . فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ الْحَرْبَ وَالْمُحَارَبَةَ لَيْسَ مُرَادِفًا لِلْقَتْلِ وَالْمُقَاتَلَةِ ، وَإِنَّمَا الْأَصْلُ فِيهَا الِاعْتِدَاءُ وَالسَّلْبُ وَإِزَالَةُ الْأَمْنِ ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِقَتْلٍ وَقِتَالٍ ، وَبِدُونِهِمَا . وَقَدْ ذُكِرَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ فِي الْقُرْآنِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ آيَةٍ . وَأَمَّا الْمُحَارَبَةُ فَلَمْ تُذْكَرْ إِلَّا فِي هَذِهِ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي بَيَانِ عِلَّةِ بِنَاءِ الْمُنَافِقِينَ لِمَسْجِدِ الضِّرَارِ: (وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ) (9: 107) . قَالَ رُوَاةُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ: أَيْ تَرَقُّبًا وَانْتِظَارًا لِلَّذِي حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ ، مِنْ قَبْلِ بِنَاءِ هَذَا الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ فَإِنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الْعَدَاوَةِ لِلْإِسْلَامِ ، وَوَعَدَ الْمُنَافِقِينَ بِأَنْ يَذْهَبَ وَيَأْتِيَهُمْ بِجُنُودٍ مِنْ عِنْدِ قَيْصَرَ لِلْإِيقَاعِ بِالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالْمُؤْمِنِينَ ، فَمُحَارَبَةُ هَذَا الرَّاهِبِ مِنْ قَبْلُ كَانَتْ بِإِثَارَةِ الْفِتَنِ ، لَا بِالْقِتَالِ وَالنِّزَالِ ، وَأَمَّا لَفْظُ"الْحَرْبِ"فَقَدْ ذُكِرَ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ أَرْبَعِ سُوَرٍ ; مِنْهَا إِعْلَامُ الْمُصِرِّينَ عَلَى الرِّبَا بِأَنَّهُمْ فِي حَرْبٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ بِأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ، وَالْبَاقِي بِالْمَعْنَى الْمَشْهُورِ ، وَهُوَ ضِدُّ السِّلْمِ . وَكَانَ أَهْلُ الْبَوَادِي - وَلَا يَزَالُونَ - يَغْزُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِأَجْلِ السَّلْبِ وَالنَّهْبِ ، وَقَدْ جَعَلَ الْفُقَهَاءُ كِتَابَ الْمُحَارَبَةِ

(1) - تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (6 / 104) والتفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (1 / 507)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت