فهرس الكتاب

الصفحة 575 من 586

وَقِيلَ: إِنَّهَا فِي الْمُحَارِبِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ كَانَ مُحَارِبًا فِي عَهْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ ، فَطَلَبَ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، ثُمَّ مِنِ ابْنِ جَعْفَرٍ ، عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ ، أَنْ يَسْتَأْمِنَ لَهُ عَلِيًّا ، فَأَبَيَا عَلَيْهِ ، فَأَتَى سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ فَقَبِلَهُ . (قَالَ الرَّاوِي) : فَلَمَّا صَلَّى عَلِيٌّ الْغَدَاةَ أَتَاهُ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ؟ فَقَرَأَ عَلِيٌّ الْآيَتَيْنِ ، فَقَالَ سَعِيدٌ: وَإِنْ كَانَ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ ، قَالَ: فَهَذَا حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ جَاءَ تَائِبًا ، فَهُوَ آمِنٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ . قَالَ: فَجَاءَ بِهِ فَبَايَعَهُ ، وَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَكَتَبَ لَهُ أَمَانًا ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الرِّوَايَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِ حُقُوقِ النَّاسِ . وَقَدِ اشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ فِي التَّائِبِ أَنْ يَسْتَأْمِنَ الْإِمَامَ فَيُؤَمِّنَهُ ، كَمَا فَعَلَ حَارِثَةُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ ، بَلْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقْبَلَ كُلَّ تَائِبٍ ، وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ وَاقِعَةَ مُحَارِبٍ جَاءَ أَبَا مُوسَى تَائِبًا ، وَكَانَ عَامِلَ عُثْمَانَ عَلَى الْكُوفَةِ ، فَقَبِلَ مِنْهُ ، وَوَاقِعَةَ عَلِيٍّ الْأَسَدِيِّ الَّذِي حَارَبَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ وَأَصَابَ الدَّمَ ، ثُمَّ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ) (39: 53) الْآيَةَ ، فَاسْتَعَادَهَا ، فَأَعَادَهَا الْقَارِئُ ، فَغَمَدَ سَيْفَهُ ، وَجَاءَ الْمَدِينَةَ تَائِبًا بَعْدَ أَنْ عَجَزَتِ الْحُكُومَةُ وَالنَّاسُ عَنْهُ ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَجَاءَ بِهِ إِلَى وَالِي الْمَدِينَةِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَقَالَ لَهُ: لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِ ، وَلَا قَتْلَ ، فَتُرِكَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ .

(خُلَاصَةُ الْآيَتَيْنِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِ وَطَاعَةُ الْأَئِمَّةِ) قَدْ عُلِمَ مِنَ التَّفْصِيلِ السَّابِقِ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ خَاصَّتَانِ بِعِقَابِ الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ; أَيِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَعْمَالًا مُخِلَّةً بِالْأَمْنِ عَلَى الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ ، مُعْتَصِمِينَ فِي ذَلِكَ بِقُوَّتِهِمْ ، غَيْرَ مُذْعِنِينَ لِلشَّرِيعَةِ بِاخْتِيَارِهِمْ . فَيَجِبُ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْحُكَّامِ أَنْ يُطَارِدُوهُمْ وَيَتْبَعُوهُمْ ، فَإِذَا قَدَرُوا عَلَيْهِمْ عَاقَبُوهُمْ بِتِلْكَ الْعُقُوبَاتِ ، بَعْدَ تَقْدِيرِ كُلِّ مَفْسَدَةٍ بِقَدْرِهَا ، وَمُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ ، وَسَدِّ ذَرِيعَةِ الْفَسَادِ ، وَمَنْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَا يُعَاقَبُ بِمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَإِنَّمَا حُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ النَّاسِ .

وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْخَوَارِجِ ، وَأَوْرَدُوا فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُنْبِئَةِ بِصِفَاتِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت