وَالثَّانِي:لأَِحْمَدَ وَابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ،وَهُوَ أَنَّ تَرْكَ الْكَلاَمِ إِنْ كَانَ يُؤْذِيهِ لَمْ تَنْقَطِعِ الْهِجْرَةُ بِالسَّلاَمِ [1] .
قَال أَبُو يَعْلَى:ظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْهِجْرَةِ بِمُجَرَّدِ السَّلاَمِ،بَل حَتَّى يَعُودَ إِلَى حَالِهِ مَعَ الْمَهْجُورِ قَبْل الْهِجْرَةِ،ثُمَّ قَال:وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْهُ أَحْمَدُ خَارِجًا عَنِ الْهِجْرَةِ بِمُجَرَّدِ السَّلاَمِ حَتَّى يَعُودَ إِلَى عَادَتِهِ مَعَهُ فِي الاِجْتِمَاعِ وَالْمُؤَانَسَةِ؛لأَِنَّ الْهِجْرَةَ لاَ تَزُول إِلاَّ بِعَوْدَتِهِ إِلَى عَادَتِهِ مَعَهُ [2]
وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّةِ فِي الَّذِي يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ وَلاَ يُكَلِّمُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ،بَل يَجْتَنِبُ كَلاَمَهُ:إِذَا كَانَ - أَيِ اجْتِنَابُ مُكَالَمَتِهِ - غَيْرَ مُؤْذٍ لَهُ،فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الشَّحْنَاءِ،وَإِنْ كَانَ مُؤْذِيًا لَهُ،فَلاَ يَبْرَأُ مِنْهَا [3] .
وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْل:أَنَّهُ إِذَا كَانَ لاَ يُؤْذِيهِ تَرْكُ مُكَالَمَتِهِ،فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنَ الْهِجْرَةِ؛لأَِنَّهُ أَتَى مِنَ الْمُوَاصَلَةِ بِمَا لاَ أَذًى فِيهِ،وَإِنْ كَانَ يُؤْذِيهِ،فَلاَ يَبْرَأُ مِنَ الْمُهَاجَرَةِ؛لأَِنَّ الأَْذَى أَشَدُّ مِنَ الْمُهَاجَرَةِ [4] .
تَجْدُرُ الإِْشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا ابْتَدَأَ أَحَدُ الْمُتَهَاجِرَيْنِ صَاحِبَهُ بِالسَّلاَمِ فَلَمْ يَرُدَّ الآْخَرُ،فَإِنَّ إِثْمَ الْهَجْرِ يَسْقُطُ عَنْ مُلْقِي السَّلاَمِ،وَيَبُوءُ الْمُمْتَنِعُ عَنْ رَدِّهِ
(1) - الأُْبِّيّ عَلَى مُسْلِم 7 / 16 ، وَفَتْح الْبَارِي 10 / 496 ، وَالنَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمِ 16 / 117 ، وَعُمْدَة الْقَارِئ 18 / 179 .
(2) - الآْدَاب الشَّرْعِيَّة 1 / 254 ، وَغِذَاء الأَْلْبَاب للسفاريني 1 / 274 .
(3) - الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِي 7 / 215 .
(4) - الْمُنْتَقَى 7 / 215 .