وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَتَأَلَّفُ قَوْمًا وَيَهْجُرُ آخَرِينَ،كَمَا أَنَّ الثَّلاَثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا كَانُوا خَيْرًا مِنْ أَكْثَرِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ لَمَّا كَانَ أُولَئِكَ كَانُوا سَادَةً مُطَاعِينَ فِي عَشَائِرِهِمْ،فَكَانَ الْمَصْلَحَةُ الدِّينِيَّةُ فِي تَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ.وَهَؤُلاَءِ كَانُوا مُؤْمِنِينَ،وَالْمُؤْمِنُونَ سِوَاهُمْ كَثِيرٌ،فَكَانَ فِي هَجْرِهِمْ عِزُّ الدِّينِ وَتَطْهِيرُهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ،وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي الْعَدْوِ الْقِتَال تَارَةً،وَالْمُهَادَنَةُ تَارَةً،وَأَخْذُ الْجِزْيَةِ تَارَةً.كُل ذَلِكَ بِحَسَبِ الأَْحْوَال وَالْمَصَالِحِ [1] .
أَمَّا الْمُسْتَتِرُونَ مِنْ أَهْل الْفِسْقِ وَالْمَعْصِيَةِ وَغَيْرُ الْمُجَاهِرِينَ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَهْل الأَْهْوَاءِ وَالْبِدَعِ،فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَجْرِهِمْ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا:يَجِبُ هَجْرُهُمْ؛لِيَكُفُّوا عَنْهَا.قَال ابْنُ حَجَرٍ مُعَلِّقًا عَلَى تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ - بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الْهِجْرَانِ لِمَنْ عَصَى - فَتَبَيَّنَ هُنَا السَّبَبُ الْمُسَوِّغُ لِلْهَجْرِ،هُوَ لِمَنْ صَدَرَتْ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ،فَيَسُوغُ لِمَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهَا مِنْهُ هَجْرُهُ عَلَيْهَا لِيَكُفَّ عَنْهَا [2] .
وَقَال أَبُو الْحُسَيْنِ الْفَرَّاءُ الْحَنْبَلِيُّ:لاَ تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ - أَيْ عَنْ أَحْمَدَ - فِي وُجُوبِ هَجْرِ أَهْل الْبِدَعِ وَفُسَّاقِ الْمِلَّةِ،وَظَاهِرُ إِطْلاَقِهِ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْمُجَاهِرِ وَغَيْرِهِ فِي الْمُبْتَدِعِ الْفَاسِقِ.قَال:وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ ذِي رَحِمٍ وَالأَْجْنَبِيِّ إِذَا كَانَ الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى.فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْحَقُّ لآِدَمِيٍّ كَالْقَذْفِ
(1) - مَجْمُوع فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ 28 / 204 - 206 ، وانظرها 28 / 216 أَيْضًا .
(2) - فَتْح الْبَارِي 10 / 497