وقد منع هذا قوم، [1] إذا كان أن الفراء والأخفش قد ذهبا إلى القول مقدرين إضمارًا لفظيًا على لفظ اللعنة السابقة خافضًا للملا، وذلك الأمر لم يقل به الأخيران لحكمها بعطف النسق في المفردات.
أما قراءة رفع الملائكة وتوابعها فقد حُملت عند معظم النحويين على الرفع حملًا على موضع اسم الجلالة (الله) وقد ذهب إلى ذلك الفراء والنحاس ومكي والطوسي والزمخشري والأنباري والعكبري والقرطبي والسمين، وقد خالف هذا ابن جني وأبو حيان والبناء، وذلك أنهم قد ذهبوا إلى تقدير فعل مضمر يفسره لفظ (لعنة) فرفعوا الملائكة، به، على تقدير"وتلعنهم الملائكة"ولم يكتفِ أبو حيان بهذا، بل قدم تخريجين آخرين هما:
-رفعُ الملائكة على إقامتها مقام مضافٍ محذوفٍ تقديره (ولعنة الملائكة) .
-رفعُ الملائكة مبتدأ خبره محذوف لوضوح المعنى تقديره (يلعنونهم) . [2]
وقد منع أبو حيان الرفع الموضعيّ للملائكة قائلا، وخرّج هذه القراءة جميعُ مَنْ وقفنا على كلامِهِ من المعربين والمفسرين على أنه معطوف على موضع اسم الله، لأنه عندهم في موضع رفع على المصدر، وقدّروه أن لَعَنَهُمْ الله أو يلعنهم الله، وهذا الذي جوّزوه ليس بجارٍ على ما تقرّر في العطف على الموضع، [3] وهذا الرد الذي قال به أبو حيان جعله مرهونًا بأمرين هما:
-اللعنةُ مصدر غير منحلٍّ، فلا هو لعلاج أو حدوث وأضيف للتخصيص.
-على الموضع له شروطٌ تحكمه، وليس هذا مما يحمل عليه. [4]
وقد فصل أبو حيان في كلا القولين، فهو يرى أن لعنة مصدر مثله مثل ذكاء الحكماء، وشجاعة الأسد، ووجه القمر، فهذه الامور دالة على ثبوت واستقرار، خالية من
(1) ينظر: حروف المعاني: 36، الازهية: 231، 240، المغني: 2/ 354، 357، الجنى: 188، 190، 191، الهمع: 5/ 223، 227 - 229.
(2) ينظر: معاني الفراء: 1/ 96، الطبري: 3/ 264، إعراب النحاس: 1/ 226، المحتسب: 1/ 204، التبيان للطوسي: 1/ 50، الكشاف: 1/ 209 - 210، البيان للأنباري: 1/ 130 - 131، إعراب القراءات الشواذ: 1/ 221، التبيان للعكبري: 1/ 132، القرطبي: 2/ 190، البحر: 1/ 635 - 636، الدر: 2/ 195 - 196، الاتحاف: 151، الموسوعة: 3/ 211، 4/ 329، الظواهر اللغوية: 123 - 124.
(3) البحر: 1/ 635.
(4) ينظر: م. ن.