الصفحة 527 من 562

يُعدُّ الخلاف في أيّة قضيّة من القضايا عَرْكًا لما فيها من آراءٍ واتجاهاتٍ ومذاهب، وغربالًا لغثها وسمينها، واستجلاءً للجوهر الفرد فيها واستبعادًا لقشورها الضحل عنها، فتتسق الاحكام في مجراها العام لافظة الشوائب، وآخذةً النقائب مما يقوي صرح العربية في أمورها النظرية وشؤونها التطبيقية فتغدو سلسة على الدارس في وجهيها هذين فتعمً الفصاحةُ مختلف فئات المجتمع، وتزول الفوارق بين تناول النصوص المختلفة.

واذا كان الامر كذلك فإن البحث قد سعى إلى تأكيد مسألة محورية مهمة، فحواها كون الدرس القرآني في معتمده الأول؛ النحو القرآني، أساس نظرية التصحيح اللغوي العام في المؤسسات العلمية والمجتمع عمومًا، وقد كان للأقدمين باع طويل في استجلاء هذا الأمر، وكان أساس انطلاق النحاة الأوائل دافعًا قرآنيًا، جعلهم يدرسون لغته، وتركيبه، وحقائقه، وخصائص نصوصه المتميزة عن غيرها من نصوص العربية، وقد اظهرنا ان التأسيس لعلم النحو العربي ليس كما هو سائد في المدونات المؤرخة لعلم النحو، بل إن هنالك أمرين يحكمان هذا التأسيس هما:

-أمرُ عمر (- رضي الله عنه -) أبا الاسود بتعليم أهل البصرة النحو.

-قول عمر بن عبد العزيز لمجموعة من الفرس رآهم ينظرون في النحو، فقال لهم؛ لئن أصلحتموه لأنتم أول من أخربه.

ناهيك عما أثبتناه من عرض أبي الأسود أمر شروعه في عمل شيء يقوِّم به اعوجاج اللسان على ابن عباس، فقال له أظنك تقصد به (النحو) فقال له: نعم فأشار عليه بما يُعينُهُ.

وقد وجدنا أن كثيراُ من النحويين الأقدمين قد ذهبوا إلى الأخذ بالنص القرآني مستشهدين به وداعين إلى الاعتداد به في التنظير النحوي، وأظهرنا أنّ ما أورده سيبويه والمبرد في كتابيهما من شواهدٍ قرآنية تفوق في نسبتها الشواهد الشعرية مقارنة لكلِّ ما ورد منه في بابه فالآيات قياسًا بآيات المصحف نسبتها أعلى من الأبيات الشعرية بالنسبة لديوان الشعر العربي الجاهليّ والإسلامي إلى نهاية عصر الإستشهاد في سنة (150) هجرية، وفي هذا إظهارٌ للحيّز المميز لمساحة النص القرآني في حدود الشواهد النحوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت