الصفحة 52 من 562

الاحكام الصحيحة لاتختص بمذهب وتبتعد عن آخر، فكم من حكم قد ثبت بنقل الكوفيين من كلام العرب لم ينقله البصريون، وكم من حكم ثبت بنقل البصريين لم ينقله الكوفيون، ثم يبين عدم صحة التعبد بمذهب نحوي ما، بل الامر اتباع الدليل، [1] وقد أخذ بعض النحويين على الاقدمين مخالفتهم للقراءات القرآنية وما أثر عنهم من احكام عليها، وشهرة مسألة المبرد مع قراءة حمزة في قوله (- سبحانه وتعالى -) : {والأرحامَ} بالخفض وأنه لن يصلي خلف أمام يقرأ بها معروفة، [2] ولذلك رأى الانصاري أن مظاهر معارضة النحويين للقراءات ثلاثة مظاهر هي؛ المعارضة الصريحة، والخفية، والتأويلية، [3] وحدد عفيف دمشقية الاسباب التي جعلت بعضهم يعزفون عن القراءات بسببين هما:

-تباينها وكثرتها وصعوبة انتظامها في قاعدة.

-قياسهم قائم على الاكثر اتساقا واتفاقًا. [4]

وفي الحقيقة ان الاحكام العربية تأتي على الوجوب والجواز، وفيهما عملان لوجهين من وجوه العربية، لذلك فكل قراءة آتية على وجهين من وجوه العربية تندرج في هذا المضمار، وكذلك تعامَلَ سيبويه مع آيتي السرقة والزنا، [5] وفي هذا - وان فُضّل وجه على آخر في الإعراب - ملاذ لقبول وجوه القراءات المختلفة بحملها على وجوه الجواز في كل باب.

واذا كنا نجد اليوم من يحارب النحويين الاقدمين فان ذلك ليس مقتصرًا عليهم، كما أن الدفاع عن الاقدمين أيضًا ليس مقتصرًا على النحويين المعاصرين، فهذا سيبويه وقد هاجمه الزمخشري والفخر وقد ردهما أبو حيان عادًا ذلك تجاسرًا وجرأة على سيبويه، وخرج أقوال سيبويه مخارج حسنة، [6] وقد ذهب الانصاري الى ذلك المسلك، مسلك مهاجمة سيبويه، ورأى انه يعارض القراءات على ثلاثة وجوه هي المعارضة الصريحة والخفية ثم

(1) ينظر: النهر: 1/ 210، 423، سيبويه والقراءات: 250.

(2) ينظر: المقتضب: 1/ 102، السبعة: 76، مجالس العلماء: 246 - 247، الانصاف: 2/ 463، م/ 65، شرح ابن يعيش: 3/ 78، القرطبي: 5/ 3، شرح الكافية للرضي: 2/ 117.

(3) ينظر: نظرية النحو القرآني: 41، 157.

(4) ينظر: المنطلقات التأسيسية: 54، 57.

(5) ينظر: الكتاب: 1/ 71، 72.

(6) ينظر: البحر: 3/ 490 - 491، النهر: 1/ 580 -581.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت