بقبولها للحكمين، وذلك لأن عطف البيان يكون بدلًا، وهذا دليل على أن المعنى في البدلِ والمبدلِ منه وعطفِ البيانِ ومعطوفهِ واحد، فلا خلاف فيما يكون محمولا على المعنى لهذا الوجه، وإذا امتنع البدل في التركيب فآصرة التبادل في التركيب بينهما تمنع كونَهُ عطفَ بيانٍ أيضًا، فكيف يكون عطف بيان ولا يكون بدلًا والأمر جارٍ على الحكمين معنى في التركيب، وهذا أمر حقيقته واحدة وحكما مكيّ فيه متناقضان ولأن حكمَ عطف البيان محكومٌ بالمعارف لا النكرات، ولهذا وذاك فخمط بدلٌ من أُكُلٍ كما قُرِّرَ، وذهب ابن هشام والبناء إلى أنه قد خصّص النكرة. لذلك صار عطف بيان، [1] وأعتقدُ أن التخصيص أمرٌ عام يجري في هذا كما يجري في غيره من التوابع، فالبدل يمكن أن يكون فيه تخصيص إذا قلنا، جاءَ الطالبُ طالبُ العلمِ، والنعتُ فيه تخصيص أيضًا كما هو في قوله (- سبحانه وتعالى -) : {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ} ، [2] فقد تخصصت النكرة فصلح الابتداء بها، ولو كان في خمط تبيين لما اختلف معناه ما بين ثَمَرٍ أو شَجَرٍ أو اسم جنسٍ لذلك الشجر، [3] ولابد أن يكون المبِّين أوضح وأظهر من المبَّين، وهذا أمرٌ يقودنا إلى إقرار البدل في اللفظ.
وذهب الزمخشري - في قولٍ آخرَ له- ومعه العكبري إلى القول إن خفض (خمط) ، محمولٌ على حذف مضاف وقدراه على؛ ذواتي أُكُلٍ أُكُلِ خمطٍ، وآخرون على أُكُل ذي خمطٍ، [4] غير أن ما يحذف من التركيب الإضافي صدره يكون مشروطا بقيدين هما:
-أن يَخْلُفَ المضافَ المحذوفَ المضافُ إليه في الإعراب.
-أن يبقى خفض المضاف إليه إن عطف على مثله. [5]
وما ذهب إليه لا يتأتى مع هذه القاعدة، وذلك لأن ما حملاه على انه مضاف إليه قد حذف صدره لم يباشر عاملًا ما، بل إنّ ما قبله مثله منونٌ فكأنهما تكرارٌ إتباعيٌّ ما، فضلًا عن كونهِ مخفوضًا منونًا وما بعده مخفوضٌ مثله، ولكنه ليس مثله في أنه محققًا لجزأى الإضافة صدرًا وعجزًا، مضافًا ومضافًا إليه، ناهيك عن كون ما بعده مختلفًا عنه
(1) ينظر: الجامع: 192، المشكاة: 283.
(2) البقرة: 221.
(3) ينظر: اللسان: 7/ 296، (خمط) .
(4) ينظر: الكشاف: 3/ 576، التبيان للعكبري: 2/ 1066، البحر: 7/ 260، الدر: 9/ 173.
(5) ينظر: الكتاب: 1/ 108 - 109، 110، الجامع: 146 - 147، أوضح المسالك: 3/ 167 - 170، ابن عقيل: 2/ 78 - 79.