ومن المبتدآت المتأخرة لفظة (مائة) في قوله (- سبحانه وتعالى -) : {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} [1] ، وقد رفعها الجمهور [2] ، اما قراءة النصب فيها فقد نسبت الى بعضهم بلا تحديد، ووسمت بالشذوذ [3] ، وفي اللفظة رفعا ونصبا خلاف نحوي يتضح فيما يأتي:
في قراءة الرفع رأى الانباري الكوفيين والأخفش معتمدين على حكم سيبويه في تمثيله بقوله:"مررت برجل معه صقر صائد به"في أمرين هما:
-جعل (معه) صفة لرجل.
-رفع (صقر) بتلك الصفة [4] .
وقد حلموا الآية عليه، ففي كل سنبلة صفة لسنابل، ورفعت مائة بها، ولذلك لم يقر هذا وذهب مذهب مكي الذي يرى الجار والمجرور خبرا مقدما ومائة مبتدأ مؤخرا، وفي حقيقة هذا خلاف فالبصريون يدفعون المبتدأ بالابتداء ولا يرفعونه بالظرف كما هو مذهب الكوفيين والمبرد والأخفش [5] ، وأقر العكبري قول مكي غير انه حدد الجار والمجرور صفة لما سبق رافعة اللاحق جوازا، واقتفاه ابو حيان رافعا مائة فاعلا بالنصب مستحسنا ذلك، لأن الوصف بالمفرد خير من الوصف جملة ويشرط ضميرا عائدا على المنعوت؛ سبع او سنابل [6] ، وانتهج نهج ابي حيان السمين في الرفع فاعلا للنعت [7] .
والكوفيون يجعلون الظرف دالا فعليا على"حل"اخذين بحكم سيبويه في الرفع بالظرف، وينقضه البصريون لأنه حكم بالنيابة لا بالاصالة، ناهيك عن دخول العوامل عليه، والغاء ما يزعم له من عمل [8] .
(1) البقرة: 261.
(2) ينظر: الدر: 2/ 582.
(3) ينظر: المختصر: 16، اعراب القراءات الشواذ: 1/ 276، التبيان للعكبري: 1/ 213، القرطبي: 3/ 304، البحر: 2/ 317، النهر: 1/ 263، الدر: 2/ 582، الموسوعة: 4/ 357.
(4) ينظر: الكتاب: 1/ 241، البيان للأنباري: 1/ 173.
(5) ينظر: م. ن، الانصاف: 1/ 51، م / 6، التبيين: 249، م /33.
(6) ينظر: المشكل: 1/ 139، التبيان للعكبري: 1/ 213، البحر: 2/ 317.
(7) ينظر: الدر: 2/ 581 - 582.
(8) ينظر: الانصاف: 1/ 51 - 52، م /6.