كما أن اللياذ بالمواقع الحصينة يعد ضربًا من التحول المكاني أملًا في النجاة ونشدانًا للخلاص من الموت الرهيب الذي لا ترد صولته ولا تصد هجمته إذ يهون عليه اقتحام الحصون المنيعة، واجتياح الموانع المحكمة، ولهذا لا يأمن سطوته قاطن السهل، ولا يفلت من قبضته المحتمي بحرز حريز، فكلاهما في شرعه سيان، يقول أوس بن حجر:
لو كنتُ في ريمانَ تحرسُ بابَه ... أراجيلُ أحبوشٍ وأغضفُ آلفُ
إذن لأتتني حيث كنت منّيتي ... يَخبُّ بها هادٍ لإثريَ قائِفُ [1]
ونظير هذا قول شمر بن عمرو الحنفي:
لو كنتُ في ريمانَ لست ببارحٍ ... أبدًا و سُدَّ خصاصُهُ بالطِّين
لي في ذراه مآكلٌ ومشاربٌ ... جاءت إليّ منيتي تبْغيني [2]
فلو كان التحصن يغني شيئًا لكانت العُصم القاطنة في ذرى الجبال أحظى بالأطمئنان وأنجى من فكرة الموت المفزعة، ولكن ما أبعد هذه الأمنية، وأقرب نقيضها، يقول المرقش الأكبر:
لو كان حيٌّ ناجيًا لنجا ... من يومِهِ المزلّمُ الأعْصَمْ
(1) ديوانه: 74، والبيتان يذكران لأبي طمحان القيني أيضًا، ينظر: أبو طمحان القيني حياته وما تبقى من شعره: 163، ويلي البيتين المذكورين قوله:
فمن رهبة آتي المتالف ساردًا ... وأيّةُ أرض ليس فيها متالفُ؟
(2) الأصمعيات: 126، وينظر: أبو دؤاد الأيادي وما تبقى من شعره: ق 8 ب 1 - 3/ 294، وديوان الأعشى الكبير: ق 33 ب 7/ 217، وديوان علقمة الفحل: ق 2 ب 36/ 67، وشرح ديوان زهير: 328.