الصفحة 109 من 392

تلك القيم بكلمتهم الجامعة (المعروف) فمن رام الذكر المجيد الذي يستوجب الثناء الذي لا يبلى، عليه أن يسارع إلى إسداء المعروف والاستزادة منه، قال طرفة:

لعمرك ما الأيَّام إلا مُعارةٌ ... فما اسْطَعْتَ من معروفها فتزوّدِ [1]

إن المعروف الذي يتوفر عليه المرء في حياته يغري الألسن لأن تلهج به وتثبت الحمد والعرفان لصاحبه المنصرف إليه والمغرم به، وهذا هو السبيل المفضي إلى كسب الثناء الذي يقوم مقام الخلود المادي في المنظور المعنوي، وقد بسط الحادرة هذه الحقيقة بجلاء وجمال، قائلًا:

فأَثْنُوا علينا لا أبا لأبيكُمُ ... بإحساننا، إنّ الثَّناءَ هُوَ الخُلْدُ [2]

وقد نشط الناس وتسابقوا لبلوغ هذا الثناء وتنوعت أساليبهم في ابتغائه والظفر به، وربما عدوا الخمر وبذلها لشاربيها منفذًا من المنافذ المطلة عليه ووجهًا من الأوجه التي يرجى منها هذا الخلود المعنوي، قال سحيم بن وثيل الرّياحي:

تقول حدراءُ ليسِ فيكِ سوى الـ ... ـخَمْرِ معيبٌ يعيبُهُ أَحَدُ

فقلتُ أخطأتِ بل مُعاقرتي الـ ... ـخمرَ وبذلي فيها الذي أَجِدُ

هُوَ الثناءَ الذي سَمعتِ بِهِ ... لا سَبَدٌ مُخلدي و لا لُبَدُ [3]

(1) ديوانه: 178، وينظر: ديوان امرىء القيس: ق50 ب14/ 238، وشعراء النصرانية قبل الإسلام: 271ـ276.

(2) ديوانه: 73.

(3) البيان والتبين: 3/ 343 - 344، وينظر: الزمن عند الشعراء العرب قبل الإسلام: 258 - 259.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت