التي لا تزول، وقد عبر المتلمس الضبعي عن هذه القيم الرفيعة تعبيرًا ينم عن رسوخها في حياة القوم ودعوتهم المخلصة للمواظبة عليها وحرصهم على الإبقاء على جلال دورها، فقال:
أعاذلُ إنّ المَرء رهنُ مصيبةٍ ... صريحٌ لعافي الطَّيرِ أو سوفَ يُرمسُ
فلا تقبلنْ ضَيمًا مخافَةَ ميتةٍ ... وموتنْ بها حُرًّا وجلدُك أملسُ [1]
وحينما يحرص هذا الإنسان على الشرف وكل القيم النبيلة يهون عليه ـ في سبيلها ـ الموت ويتلاشى أمامه الخوف، لأن خيار الموت هنا بمثابة الحياة نفسها والاستهانة به إرادة لصنع الحياة، قال الحصين بن الحمام المري:
أبى لابن سلمى أنه غيرُ خالدٍ ... ملاقي المنايا أيّ صرفٍ تيمَّما
فلستُ بِمُبتاعِ الحياة بسُبَّةٍ ... ولا مرتقٍ من خشيةِ الموتِ سُلّما [2]
إن إدراك الشاعر لحتمية الموت واستحالة الخلود جعله يتخذ من الأمم الغابرة والملوك الأقوياء الماضين أمثلة حية وشواهد ناطقة تنبىء عن عجز تلك الأمم عن ضمانها البقاء الأبدي وتحاشي الفناء الذي لا يقاوم، وربما كان الشاعر مدفوعًا إلى التذكير بالغابرين بدافع التسويغ للخوف الذي يستولي عليه حيال الموت وسطوته، فضلًا عن أن هذا التذكير يخفف من وطأة الصدمة التي تنتابه إذا حلت به كارثة الموت [3] ، إذ يعلم عبر هذه القناة التأريخية ا لممزوجة بالأساطير أن الأمم تتعاقب وأن الأرض يرثها الخلف عن السلف، فهي باقية وهم ذاهبون، قال عبيد بن ثعلبة:
حللْنا بدار كانَ فيها أنيسُها ... فبادوا وخلَّوا ذات شيدٍ حصونها
فصاروا قطينًا للفلاة بغربةٍ ... رميمًا وصِرنا في الديار قطينها
فسوف يميلها بعدنا من يحلُّها ... ويسكن عوضَ سهلها و حزونها [4]
(1) ديوانه: 110ـ111، وينظر: ديوان الأعشى: ق 23 ب 28/ 177.
(2) شعره: 114، وشعر ربيعة بن مقروم الضبي: 350.
(3) الطبيعة في الشعر الجاهلي: 156، وهاجس الخلود (في مجلة) : 99، والأسطورة في الشعر العربي قبل الإسلام: 242.
(4) شعر بكر بن وائل قبل الإسلام، (رسالة جامعية) : 168، وينظر: طبقات فحول الشعراء: 1/ 293 - 294.