الصفحة 112 من 392

إن في تلك القرون الخوالي البرهان المبين على هذه الحقيقة، فمن كان في ريب من أمر هذا الموت فليستنطق تلك القرون التي تقطع الشك باليقين، قال لبيد بن ربيعة العامري:

فتعْلمَ أن لا أنت مدركُ ما مضى ... ولا أنت مما تحذرُ النفسُ وائلُ

فإنْ أنت لم تصدقك نفسُك فانتسبْ ... لعلك تَهْديكَ القرونُ الأوائِلُ [1]

ففي أخبار الأمم القديمة والأقوام البائدة ما يشير إلى معاناتها من تجربة الموت المرة، وفي ذلك ما يهون على هذا الإنسان من عنف الصدمة وجلال هولها، قال سويد بن أبي كاهل:

إن أذقْ حتفي فقبلي ذاقَهُ ... طسمُ عادٍ وجديسٌ ذو الشنعْ [2]

ومثلما لم تدم الحياة لأولئك الماضين من أولي الجاه والتيجان، فإن دوامها محال لغيرهم ممن يليهم أيضًا، قال عمرو بن قميئة:

قد كان من غَسَّانَ قبلكَ أَمْـ ... لاكٌ ومِنْ نصرٍ ذوو هِمم

فتوّجوا ملكًا لهم هِمَمٌ ... ففنوا فناءَ أوائلِ الأمم

لا تحسبنَّ الدّهر مخلِدَكُمْ ... أو دائمًا لكُمُ ولم يدم

لو دامَ دامَ لتُبَّعٍ وذوي الـ ... أصناعِ مِنْ عادٍ ومِنْ إرَمِ [3]

لقد ألف الشعر العربي في عصر ما قبل الإسلام طائفة من الأسماء من قبائل وملوك وسادة وأرباب من أولي البأس والمكنة والاقتدار كطسم وجديس وعاد وتبع وارم وذي القرنين وفرعون والنجاشي وسواهم كانوا جميعًا ضعفاء مهزومين أمام المصير متضائلين مستسلمين لسطوة الموت الذي لا ينازل قال زهير بن أبي سلمى:

أراني إذا ما شئتُ لاقيتُ آيةً ... تذكّرني بعض الذي كنتُ ناسيا

(1) شرح ديوانه: 255.

(2) ديوانه: 37.

(3) ديوانه: 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت