إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكَثرِي ... وَ غودِرَ عند الملتقى ثَمَّ سائري
هنالِك لا أرجو حياةً تسرُّني ... سجيسَ الليالي مُبسْلًا بالجرائرِ [1]
وقال المشعّث العامري وهو يذكر ما يلقاه نزيل القبر من الضباع النابشة في الترب بحثًا عنه:
بإصرٍ يتركنَّي الحيُّ يومًا ... رهينةَ دارهم وهُمُ سراعُ
تمتعْ يا مشعّتُ إنّ شيئًا ... سبقتَ به الوفاةَ هو المتاعُ
وجاءت جيألٌ وأبو بنيها ... أحمُّ المأقيين به خُماعُ
فظلاّ ينبشان التّربَ عنّي ... وما أنا ويبَ غيرك والسباعُ [2]
ولو عرف الشاعر عقيدة دينية راقية بمستوى الإيمان تجيب عن التساؤلات التي يثيرها الموت لهان عليه أمره، وسكن منه جأشه، بيد أن عقائد القوم كانت ضعيفة التأثير لا تعينهم على وضع حد لمخاوفهم الدائمة تجاه الموت المذهل"فالحق أن الشعر الجاهلي ـ ما عدا أبيات قليلة جدًا ـ لا يصور إلا فلسفة دنيوية محضة، خالية من اليقين الديني الذي يفعل فعله العظيم في مداواة جروح الإنسان، وشفاء نفسه وتصبيره على كرب الحياة وتقلبها وعلى رهبة الموت ولذعه، ومهما تقرأ في كتب التاريخ عن وجود بعض العقائد الدينية من سماوية وغير سماوية، فإن الشعر الجاهلي نفسه يثبت أن هذه العقائد كانت ضعيفة التأثير في كثرتهم الغالبة، ولم تكن في ديانتهم ا لوثنية السائدة ما يغني الإنسان في ذعره من الموت لأن سلطة آلهتهم وأربابهم كانت مقتصرة على الحياة لا تتعداها إلى الخلق ولا إلى المعاد" [3] .
وقد بقيت الحال على ما كانت عليه حتى بزغ الإسلام بنوره، فاستطاعت هذه العقيدة الجديدة أن تبلغ بؤرة هذه المسألة بما أنبأت به من البعث والحساب والحشر، ولم تنظر إلى الموت على أنه تجربة لن يكون بعدها انتظار ـ كما نظرت الجاهلية ـ بل أنبأت بوضوح لا يشوبه لبس أن الموت مرحلة انتقال من
(1) ديوانه: 36، وتنسب الأبيات لتأبط شرًا أيضًا، ينظر: شعره: ق 13 ب 1 - 3/ 157 - 158.
(2) الأصمعيات: 148، والمرقش الأكبر أخباره وشعره: ق 1 ب 1 - 7/ 873 - 874.
(3) الشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمه: 1/ 421، والزمان الوجودي: 176، والشاعر والوجود في عصر ما قبل الإسلام: 176، ورثاء الأبناء في الشعر العربي: 101، والحياة والموت في الشعر الجاهلي: 193.