الصفحة 114 من 392

بعده [1] ، وآية ذلك ما خبرنا به القرآن الكريم في مواضع متعددة، منها قوله تعالى: {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِيْنَ} [2] .

إن هذا الظن أو الإعتقاد جعل تفكير الشعراء قصير المدى، ولم يدع لهم مجالا لارتياد منطقة ما بعد الموت، أو الحياة التي تعقب الموت، فاقتصروا ـ بوحي من تفكيرهم ذلك ـ في تفسيرهم لظاهرة الموت على الجسد وحده، إذ يعتريه الفساد، ويصبح عرضة لعبث الحيوان، وأوصالا تنتهبه أنيابه، ولا يغير من واقع الحال أن يرقد الميت في حفيرة القبر، أو يترك عاريًا خارجها تكتظ عليه السباع.

قال الشنفرى الأزدي:

فلا تقبروني إنّ قبري محرَّمٌ ... عليكُمْ ولكنْ أبشري أمَّ عامر

(1) نستثني من ذلك قلة، يذكر أنها كانت تؤمن بالبعث والحشر، ومن أخبار هؤلاء أنهم كانوا يعقلون ناقة الميت (البلية، أو العقيرة) عند قبره، ليحشر عليها راكبًا، وإلا حشر راجلًا ينظر: المفصل في تأريخ العرب قبل الإسلام: 6/ 129. ومن النصوص التي تشير إلى إيمان هذا النفر بالبعث، قول زهير: شرح ديوانه: 18.

يؤخَّرْ فيُوضَعْ في كتاب فيدّخَرْ ... ليوم الحساب أو يعجّل فينقم

وقال جريبة بن اشيم الفقعسي: المحبر: 323 - 324

يا سعدُ إما أهلكن فإنني ... أوصيك إن أخا الوصاة الأقربُ

لا تتركن أباك يعثر راجلًا ... في الحشر يصرع لليدين وينكبُ

واحمل أباك على بعير صالح ... واتق الخطيئة إن ذلك أصوبُ

و لعل لي مما جمعت مطيّة ... في الهار أركبها إذا قيل اركبوا

وقال عمرو بن زيد الكلبي: المحبر: 324

أبنيّ زودني، إذا فارقتني ... في القبر راحلةً برحلٍ قاتر

للبعث أركبها إذا قيل اظعنوا ... مستوسقين معًا لحشر الحاشر

من لا يوافيه على عيرانة ... والخلق بين مدفّع وعاثر

(2) الأنعام: 29، وينظر: المؤمنون: 37، والجاثية: 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت