الصفحة 118 من 392

لم تكن الدواعي المجهولة التي وقف عندها الفصل السابق وحدها محط عناية الشاعر، بل وجد إلى جوارها عناصر معلومة تقلقه، وتثير فيه الرهبة، فالحروب والغارات الكثيرة التي شهدها العصر كانت مصدر فزع له لما كان ينجم عنها من اضطراب الأحوال، وهدر الطاقات، وهلاك الناس، فأبدى استياءه منها، ووضع صورتها القبيحة المهولة أمام القوم ليقوا أنفسهم كوارثها.

كما أن الهجاء بما يتعهده من ذكر المثالب والمقابح، وما يجره على المهجو من الذلة كان يشكل عامل خوف وردع، وكثيرًا ما كان يقف مانعًا دون الإنصراف إلى السوء، وإتيان الرذيلة.

أما الخوف من الشيب والشيخوخة فمبعثه ما يجلبانه له من ضعف وانحلال يقويان لديه الإحساس بالموت، فضلًا عن الاهتزاز النفسي الذي يتعرض له في إثر صدود المجتمع عنه، وإهماله لشأنه، ولم يكن خوفه من الفقر و الملك، وقبح الأحدوثة بأقل من مخاوفه التي مضت.

أما الظواهر الطبيعية ـ كالأمطار والرياح وما إليهما ـ التي شكلت مصدرًا مثيرًا لهواجس الإنسان ومخاوفه، فيحرص الفصل على تبيان تأثيرها فيه، والكشف عن وسائله التي كان يهرع إليها للاحتماء منها، ولا يغفل الفصل العناية بخوف الإنسان من الحيوان كالحية والأسد والذئب والضبع، هذه الحيوانات التي نالت اهتمام الشاعر لامتلاكها عنصر القوة والبأس الشديدين، فضلًا عن الحديث عن خوف الحيوان من الإنسان وخوف الحيوان من الحيوان، ولكن جلّ الحديث في السياقين الأخيرين يدور في إطار لوحة الصيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت