الحرب والغارة:
موطن العرب هو الجزيرة العربية، وهي ـ في معظمها ـ بلاد صحراوية رملية قاحلة ضنينة، لا توفر لأهلها أسباب العيش الرخي، ولا تمنح قاطنيها مقومات الحياة الرغيدة، فالموارد الطبيعة ضئيلة محدودة الأثر تعتمد على الأمطار التي لا تغيثهم بها السماء إلا بعد طول انتظار وعلى فترات متباعدة، فتجعل الأرض مجدبة، والحياة مضطربة، والأحوال مخيفة، والفقر سائدًا، ومنافذ الكسب في وجوههم موصدة، فحين يشتد القحط يستبد الفزع بالقلوب ويخيم الوجوم على الوجوه، فالفقير المعدم يستعد للغارة، والغني المتخم يفكر في وسيلة للخلاص من مخاطرها وللحفاظ على نفسه وما يملك.
إن هذه الطبيعة ذات القساوة النادرة النظير التي عاش إنسان البادية في كنفها اضطرته إلى التفكير في وسيلة لتأمين العيش لا سيما عند احتباس المطر وانقطاع الغيث، فاستغاث بالغارة، ووجد فيها السبيل لخلق ضرب من التوازن الاقتصادي الذي يفضي بدوره إلى التهوين من حدة التضاد النفسي عليه [1] .
لقد تعددت بواعث الغارات، وتنوعت دواعيها، بيد أن الحاجة إلى مصادر العيش كانت تشكل أكبر هذه الدواعي، فقد كانت إحدى وسائل الحياة في وسط يتصف بالقحل، ويطغى عليه الجفاف، قال عامر بن الطفيل:
للهِ غارتُنا والمحل قد شَجيتْ ... منه البلادُ، فصار الأفقُ عريانا [2]
حتى صببنا على همدانَ صيّقةً ... سُؤر الكلابِ وما كانوا لنا شانا [3]
إن المجتمع العربي قبل الإسلام كان يقوم على وحدة القبيلة، وللقبيلة كيانها الخاص ولها أرضها وحماها، وهي تحرص على أرضها وتصونها من أن تمس بسوء، أو أن تطأها قدم مغير أو طامع، وفي الوقت الذي تثبت هذا الحق لنفسها تتجاهل حقوق غيرها من القبائل فلا تعترف لها بحق الحياة والملكية [4] فتغير
(1) الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي: 72 - 73، وصراع الحياة والموت في شعر ا مرؤ القيس: 267.
(2) شجيت: امتلأت أو حزنت، عريان: أي عريان من الغيم والنبات.
(3) ديوانه: 137، وينظر: شعر تأبط شرّا: ق 39 ب 1/ 137، وديوان عنترة: ق 12 ب 7/ 276. صيقة: ذات صيق، وهو الغبار، وأراد بها غارة كثيرة الغبار.
(4) في تاريخ الأدب الجاهلي: 67.