الصفحة 120 من 392

متى شاءت لها الغارة على أرض سواها من القبائل بدافع الحاجة، وقد حدا الفقر الذي أوجدته تلك الطبيعة القاسية العقيم بالإنسان العربي إلى أن يتجه بنظره إلى مواطن الخصب والماء والكلأ للقبائل الأخرى ليحل بها عنوة ويرتع في مراعيها قسرًا، قال أوس بن حجر يصف غارة تعرضت لها قبيلته، وكيف صلوا المغيرين بنار حامية وردوهم على أعقابهم خاسرين:

ألَمْ تَرَ أن اللّه أنزل مُزنةً ... وَ عُفْرُ الظّباء في الكناسِ تقمَّعُ [1]

فَخلّي للأذواد بين عوارضٍ ... وبين عرانينِ اليمامةِ مرتعُ [2]

تَكَنَّفَنَا الأعداءُ من كُلِّ جانبٍ ... لينتزعوا عرْقاتنا ثم يرتعوا [3]

فما جبنُوا أنّا نسدُّ عليهمُ ... وَ لكنْ لقوا نارًا تحسُّ وتسفعُ [4]

وقد أنزلوا الغارة الناجحة منزلة المرأة الولود لما كانت تدر عليهم من خير ونعمة، ولما كانوا يعلقون عليها من آمال كبار، فحياتهم معقودة عليها، تتجدد بها إذا فاءت عليهم بالغنائم ويصيبها الهزال إذا أخفقت الغارة، قال عبيد بن الأبرص:

أعاقرٌ مثلُ ذاتِ رحْمٍ ... أو غانمٌ مثلُ مَنْ يَخيبُ؟ [5]

وهذا سلامة بن جندل تخشى عليه ابنته من الخروج إلى الغارة ـ لا سيما وهو يسعى إليها منفردًا ـ بيد أن الشاعر لا يأبه بكلامها وهو موقن بأن لا مناص من الموت، وليس له منه واق، وما دام الأمر كذلك، فلم لا يخوض غارة تعود عليه بغنيمة قوامها إبل كثار؟ فالغارة وإن كان الموت أحد احتمالاتها، فهي بالمثل كانت تعني الحياة أيضًا، إن كانت موفقة:

تقول ابنتي: إنّ انطلاقك واحدًا ... إلى الروَّعِ، يومًا تاركي لا أباليا

دعِينا من الإشفاقِ أو قدّمي لنا ... من الحَدثان والمنيِّة راقيا

(1) تقمع: تطرد عنها القمعة، وهو ذباب أزرق، أي أن المزنة نزلت في غير وقت المطر، أي في الحر ولم يذهب الذباب بعد.

(2) عوارض: جبل في بلاد طيء، العرانين: جمع العرنين، وهو أنف الجبل،.

(3) العرقاة: هي أصل كل شيء.

(4) ديوانه: 57.

(5) ديوانه: 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت