وعلى الرغم من سيادة أوضاع الحرب على حياتهم فإنهم كانوا يحسون بفداحة أضرارها، ويعون جسامة جناياتها ويستشعرون الحاجة إلى السلم والأمن فقد كان خوفهم من الحرب ودواهيها سببًا مهمًا لا لتزامهم بقدسية الأشهر الحرم التي يكفون فيها عن القتال وينصرفون مع بدئها إلى التجارة وشؤونها [1] .
إن حب الحياة، والطبيعة الإنسانية جعلا العربي يحس إحساسًا قويًا بمكابداته جرّاء الحرب، ومظاهرها الهدامة، وويلاتها المؤلمة، وما دعوته إلى حقن الدماء إلا تعبير عن خوف إنساني من النتائج التي تؤول إليها والمآسي التي تتمخض عنها من طاقات تهدر وأرواح تزهق وصدع يصعب رأبه، بيد أنه كان يضطر إلى خوضها استجابة لظروف قاهرة، ويقدم على لظاها وهولها كاره، قال قيس بن الخطيم:
دعوتُ بني عوفٍ لحقنِ دمائِهِمْ ... فلمّا أبو سامحتُ في حرب حاطب
وكنتُ امرءًا لا أبعثُ الحرب ظالمًا ... فلمّا أبَوْا أشعلتُها كلَّ جانب
أربتُ بدفع الحرب حتى رأيتهُا ... عن الدّفعِ لا تزدادُ غيرَ تقاربِ [2]
إن الوازع الإنساني، والنزعة المتعقلة جعلا خشيته من الحرب ومآسيها خشية مشروعة، وكثيرًا ما حالت هذه الخشية الواعية دون وقوعها بعد أن ثبت في الأذهان بحكم التجربة الحية والواقع المر أن المتحاربين لا يجنون من الحرب سوى الشقاء وإراقة الدماء، قال قيس بن الخطيم:
وقد علِموا أن متى تنبعثْ ... على مثلها تَذْكُ نيرانُها
(1) ينظر: الأنوار ومحاسن الأشعار: 50، والمفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 5/ 215، و 8/ 277.
(2) ديوانه: 80 - 81