الصفحة 122 من 392

فإنّا لَلَحْمُ السِّيفِ غير نكيرةٍ ... ونلْحَمُه حينًا وليس بذي نكْر

يُغارُ علينا واترينَ فيُشْتفَى ... بنا إنْ أُصبنا أو نغيرُ على وِتْر [1]

ومهما تكن البواعث التي اضطرتهم إلى الحرب والغارة، فإنها لم تستطع أن تنفي عنها وجهها الكالح ومظاهرها القاتمة، لما كانت تحمله إليهم ـ مغيرين ومغارًا عليهم ـ من كوارث فاجعة وأهوال مفزعة، فالحرب طاقات تهدر، وأرواح تزهق، ونساء تسبى، وأرحام تقطع، وهتك لكل ما يجب صونه، والحفاظ عليه، فهي استباحة بكل ما تعنيه الإستباحة حين تطلق يد المغيرين أو المنتصرين في أحوال المغار عليهم وأموالهم: تجرّ ويلاتها على الناس جميعا القاصي والداني والبريء والجاني لأنها غشوم، لذا حذّر الشاعر من مغبة اشعال نارها، وخوّف من تأجيج أوارها، قال قيس بن الأسلت:

متى تبعَثُوها تبعَثُوها ذميمةً ... هي الغولُ للأقصين أو للأقارب

تُقطّع أرحامًا، وتهلكُ أمَّةً ... وتبري السَّدِيفَ من سنام وغارب

فإياكُمُ و الحربَ لا تعلقنَّكُمْ ... وحوضًا وخيمَ الماءِ مرَّ المشاربِ [2]

وقد سمت العرب الحرب بـ (يوم الكريهة) [3] للدلالة على عظم مقتهم لها، فهم يخشون عواقبها السيئة وإن كانوا يرجون منها المنافع، قال لبيد:

وكثيرةٍ غرباؤها مجهولةٍ ... تُرجى نوافلُها ويخشى ذامُها [4]

وقد قرنوها من حيث عواقبها المعروفة بالرحى التي تطحن ما يقع فيها [5] ، وهي شرّ مرهوب [6] ، وغشوم تنال غير الجاني [7] ، وليست سهلة مأمونة النهاية [8] ، فسبيلها وعرة ومركبها خشن [9] ، والهلاك من نتائجها [10] .

(1) ديوانه: 64.

(2) ديوانه: 66.

(3) ينظر: قصائد جاهلية نادرة: 77.

(4) شرح ديوانه: 317.

(5) ينظر: شرح ديوان زهير: 19، وديوان قيس بن الخطيم: ق 1 ب 17/ 51.

(6) ينظر: قصائد جاهلية نادرة: ب 19/ 93.

(7) نفسه: ب 15/ 101.

(8) ينظر: ديوان قيس بن الخطيم: ق 10 ب 9/ 148.

(9) ينظر: شعر قيس بن زهير: ق 11 ب 4/ 46.

(10) ينظر: ديوان عنترة: ق 7 ب 18/ 258، وشعر الربيع بن زياد: ق 1 ب 1/ 392.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت