الصفحة 136 من 392

يلبّون في الحرب خوفَ الهجاءِ ... وَ يبرون أعداءَهم بالحَرَبْ [1]

إن الوقع المؤثر الذي يتركه الهجاء في نفوس المهجوين يجعلهم يرهبون ألسنة الشعراء، ويتفادون كلامهم المقذع، وقد أدرك الشعراء هذه الحقيقة فخفوا إلى الهجاء كلما أرادوا النيل من مناوئيهم، يشهرونه في وجوههم سلاحًا فتاكًا كما تشهر أنداده الأخرى من أسلحة الحرب، قال عبد قيس بن خفاف:

وأصبحتُ أعدَدتُ للنائبا ... تِ عرضًا بريئًا وعضبًا صقيلا

ووقعَ لسانٍ كحّدِ السِّنانِ ... ورمحًا طويلَ القناةِ عسُولا [2]

إن الجرح الذي يفتحه الهجاء في قلب المهجو يؤرقه مثلما يؤرق الجرح مضروبًا بسيف أو مطعونا برمح [3] ، وقد قيل في الأمثال:"طعن اللسان أنفد من طعن السنان" [4] .

وقد يقصر السيف عما يبلغه اللسان، لما يلحقه بالخصوم من عار يشيع في الناس، وما يحدثه من ثلم لارجاء في إصلاحه، وذلة تلازمهم على مرّ الأنسال، قال حسان بن ثابت:

لساني وسيفي صارمانِ كِلاهُمَا ... ويبلغُ ما لا يبلغُ السيف مذودي [5]

ويهدد طرفة خصومه بسلاحين قاتلين إذ يقرن الهجاء بالجيش وما فيه من عدد وعدة، بل إنه ليقدم الهجاء في الرتبة على القتال، فهو الأول والقتال هو الثاني، قال:

إن تُعيدوها نُعِدْ لكُمُ ... مِنْ هجاءٍ سائرٍ كَلِمُهْ

وقتالٍ لا يُغِبُّكُمُ ... في جميعٍ جحفلٍ لهِمُهْ [6]

إن موازاة الجرح المعنوي الذي يسببه الهجاء بالجرح المادي الذي يخلفه السيف الصقيل تؤكد الدلالات العميقة للآثار النفسية التي يحسها المهجو، وهو يتلقى قرع لقوافي، قال طرفة:

(1) شعره: 32.

(2) الأصمعيات: 231.

(3) ينظر: ديوان امرؤ القيس: ق 32 ب 1 - 4/ 185.

(4) المستقصى في أمثال العرب:2/ 151.

(5) ديوانه: 25.

(6) ديوانه: 152 - 153، قتال لا يغبكم: أي ليس فيه فترة راحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت