الصفحة 137 من 392

وتصُدُّ عنكَ مخيلةَ الرَّجُلِ الـ ... ـعِرِّيضِ مُوضحةٌ عَنِ العظْمِ [1]

بحسامِ سفيك أو لسانِكَ و الـ ... ـكَلِمُ الأصيلُ كأرغبِ الكَلْمِ [2]

وقد وعى الشاعر الدور الذي يقوم به شعر الهجاء في ترهيب الخصوم، فاتخذه وسيلة للوعيد والتهديد، لا سيما إذا عجز عن تهيئة القوة التي تمكنه من دفع ظلم واقع عليه، أو استرداد حق مسلوب منه، فيكون الهجاء ـ في هذه الحال ـ البديل المقتدر عن القوة التي يفتقدها لإرغام الخصوم على الانصياع للحق، فزهير بن أبي سلمى الذي استاق الأعداء إبلًا له، هددهم بالهجاء، فخافوا وعيده، وأذعنوا لطلبه، وردوا إليه إبله معتذرين، قال في وعيدهم:

لئن حللتَ بجوٍّ من بني أسدٍ ... في دينِ عمروٍ وحالتْ بيننا فَدَكُ [3]

ليأتينَّك منّي منطقٌ قَذعٌ ... باقٍ كما دنّس القُبطيّة الوَدَكُ [4]

وقد يضطر الشاعر المهجو ـ تحت تأثير الخوف من آثار الهجاء الذي يخدش عرضه ويهدم مجده ويشوِّه سمعته وسمعة قومه ـ إلى الرد موضحًا حقيقة الأمر، لئلا يؤخذ قول الهاجي مأخذ الحقائق التي لا ينازعها شك، لا سيما إذا كان المهجو من سادة القوم يهمه أن يبقى مجده سالمًا معافى من القدح وفي مأمن من الطعن قال خفاف بن ندبة السلمي:

يا أيّها المُهدي لي الشَّتمَ ظالمًا ... ولستُ بأهلٍ حين أُذكرُ للشَّتْم

أبَى الشَّتم أنّي سيّدٌ وابنُ سادةٍ ... مطاعينُ في الهيجا مطاعيمُ بالحُرْم

هُمُ منعوا الضّر أباك وطاعنوا ... وذاك الذي يُرمي ذليلًا ولا يرمي [5]

وقد كان السادة والأشراف عرضة للهجاء وأكثر الناس فرقًا منه واتقاء، أما السوقة فلم يترهبوا منه، ولم يكلف الشعراء أنفسهم بهجائهم لخمول ذكرهم ودنو مقامهم [6] ومن هنا كان الشاعر مصدر خوف

(1) المخيلة: الخيلاء، العريض: الذي يتعرض للناس بالشر، موضحة: تبدي عن وضح العظم.

(2) ديوانه: 145، أرغب: أوسع، والرغيب:

(3) جوّ: واد، دين عمرو: طاعته، فدك: أرض، الواسع الجرح.

(4) شرح ديوانه: 183، القبطية: كل ثوب أبيض.

(5) شعره: 59.

(6) الشعر الجاهلي خصائصه وفنونه: 231.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت