الصفحة 138 من 392

دائم لذوي الانساب، وأولي الذكر النابه، يتحرى عوراتهم ويجاهر بها ولأمر ما بكت العرب بالدموع الغزار من وقع الهجاء، وهذا من أول كرمها، كما بكى مخارق بن شهاب، وكما بكى علقمة ابن علاثة، وكما بكى عبد الله بن جدعان، من بيت لخداش بن زهير [1] .

والذي كان يزيد من تخوف الناس من الأهاجي أنها كانت تبث في المجامع العامة، وملتقى العشائر ليكتب لها الذيوع العاجل ويضمن لها الانتشار السريع بين القبائل وتتناقلها الألسنة دانيها وقاصيها، ولتحقيق تلك المآرب ومن أجلها"كانوا ينتهزون فرصة تلاقيهم في الأسواق خاصة سوق عكاظ فينشدون أهاجيهم لتذيع وليلحقوا بخصومهم ما يريدون من خزي وعار" [2] ، قال حسان بن ثابت ردًا على أمية بن خلف الخزاعي:

أتانيَ عَنْ أُميَّ نثا كلامٍ ... وما هو في المغيبِ بذي حِفاظ

سأنشرُ إِنْ بقيتُ له كَلامًا ... يُسيَّرُ في المجامِعِ مِنْ عُكاظِ [3]

وقال أوس بن حجر:

وإن هزَّ أقوامٌ إليّ وحدَّدوا ... كَسوتُهمُ من حبْرِ بزٍّ مُتحَّم [4]

يُخيَّلُ في الأعناقِ منّا خزايةٌ ... أوابدُها تهوي إلى كلِّ موسمِ [5]

وقد عمد الشعراء في هجائهم أو عند وعيدهم به إلى حشد كل السمات الموحية بالصرامة والشدة والعنف ليوفروا لهجائهم عنصر الإخافة والإقذاع ويصيبوا الهدف، ويبلغوا به المبتغى، وقد يكون لكثرة ا ستخدام مصطلح"القافية"لقصيدة الهجاء ما يشير إلى طابع العنف فيه [6] ، فعبيد بن الأبرص يقطع

(1) الحيوان: 1/ 364، وينظر: لباب الآداب (الثعالبي) : 2/ 31.

(2) تأريخ الادب العربي (العصر الجاهلي) :200.

(3) ديوانه: 1/ 153.

(4) متحم: من البز الأتحمي وهو ضرب من برود اليمن.

(5) ديوانه: 123.

(6) تأريخ الأدب العربي قبل الاسلام (القيسي وصاحباه) :55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت