فهرس الكتاب
بهجائه حوامل المهجو، ويصيبه بالشلل ويعجزه عن القيام [1] ، وهجاء الأعشى لطمة عنيفة يقطع بها عروق العين حتى يعود بعدها عدوه خاضعًا مستسلما على أذل ما يكون [2] .
إنّ خوف العربي من سوء الأحدوثة جعله دائم الخشية، شديد الأنفة من الهجاء الذي يهدّ مجده وينغص حاضره، وتمتد آثاره الضارة إلى وارثه فآثاره لا تغسل على مرّ الزمان وتتابع الأقوام، وتظل الأعقاب تكتوي بناره وتنوء بأوزاره ويبلغ من خوفهم من الهجاء ومن شدة السب عليهم، وتخوفهم أن يبقى ذكر ذلك في الأعقاب، ويسب به الأحياء والأموات، أنهم إذا أسروا الشاعر أخذوا عليه المواثيق، وربما شدوا لسانه بنسعة، كما صنعوا بعبد يغوث بن وقاص الحارثي حين أسرته بنو تيم [3] ، ولا غرابة إذا سمي الأسود بن يعفر بـ (ذي الآثار) لوقع هجائه، وشدته، فما هجا أحدًا إلا ترك فيه أثرًا [4] . وقد أكد الشعراء باستمرار هذا البعد المستقبلي المخيف لوصمة الهجاء الملازمة للمهجو وقومه في حياتهم وبعد مماتهم أيضًا، قال بشر بن أبي خازم:
سأقذِفُ نَحوهُمْ بِمُشَنَّعاتٍ ... لها من بعد هُلْكِهِمُ بقاءُ [5]
أما مزّرد بن ضرار فهجاؤه شامة في الوجه بادية لكل عين لا يمحوها ماحٍ:
فمَنْ أرْمِهِ منها ببيتٍ يَلُحْ به ... كشامةِ وجهٍ ليسَ للشام غاسلُ [6]
(1) ينظر: ديوانه: ق 31 ب 14 - 17/ 81.
(2) ينظر: ديوانه: ق36 ب55 - 57/ 245، وينظر له من الشواهد الدالة على الصرامة: ق15 ب29/ 123، وق19 ب17 - 18/ 151، وق34 ب24/ 229، وديوان المتلمس الضبعي: ق1 ب9/ 29، وديوان النابغة: ق10 ب1 - 2/ 80، وق23 ب7/ 126، وشرح ديوان زهير بن أبي سلمى: 250، ديوان ابن مقبل: ق31 ب26ـ27/ 231، والمفضليات: ق103 ب2/ 353، وقصائد جاهلية نادرة: ب16/ 61.
(3) البيان والتبين: 4/ 45، وينظر: العمدة: 1/ 93، والممتع في علم الشعر وعمله: 277، وشعر الحرب عند العرب (القيسي) :80.
(4) ينظر: تاريخ الادب العربي (فروخ) : 1/ 159.
(5) ديوانه: 3.
(6) ديوانه: 47، وينظر: شرح ديوان زهير: 183، وديوان حسان بن ثابت: ق 186 ب 4/ 355.