الصفحة 140 من 392

وهجاء المهلهل نافذ متجدد الأثر، تبلى الجبال وهو خالد مقيم لا يبرح:

مَنْ مبلغٌ بكرًا و آلَ أبيهِمُ ... عنِّي مُغَلْغِلةَ الرديِّ الأقْعَس

وقصيدةً شعواءَ باقٍ نورُها ... تبلى الجبالُ وإثرُها لم يُطْمَسِ [1]

إن خوف المهجوين من معرة لسان الشاعر كثيرًا ما كان يقودهم إلى تدبير المكائد له للانتقام منه والإيقاع به ثأرًا لكرامتهم المهدورة وشرفهم المهان، وسوءاتهم المعلنة على رؤوس الأشهاد، وقد يكون الإبعاد أو الطرد من البلد واحدًا من الوسائل التي يستعين بها المهجوون للتخلص من بذاءة لسان الشاعر، بيد أن هذا الإجراء يقصر دون تحقيق الغرض المنشود، ولا يغيّر من الأمر شيئًا، وربما يزيد الطين بلة، فقد يعاود الشاعر الهجاء، ويمعن فيه على نأي، قال المتلمّس الضبعي يهجو عمرو بن هند الذي شرّده خوفًا من هجائه:

أطردْتَنِي حَذرَ الهجاءِ، ولا ... واللاّتِ والأنصابِ لا تئِلُ [2]

وما لاقاه عبد يغوث بن وقاص الحارثي من شدة على يد آسريه من بني تيم من أصدق الأمثلة على المعاناة التي يلاقيها الشاعر الهجاء ممن ينالهم بهجائه، فقد كمّ آسروه فاه بنسعة لئلا ينطلق لسانه بهجوهم، وقد عرض عليهم في فدائه ألف ناقة فأبوا إلا قتله [3] ، فقد وجدوا شرفهم أثمن وأغلى لا تعدله نياقة الألف، وقد صوّر عبد يغوث هذه المكابدة تصويرًا رائعًا مؤثرًا في قصيدته الذائعة الصيت التي منها قوله:

أقولُ وقد شدّوا لساني بنِسْعَةٍ: ... أمعْشَرَ تَيْمٍ أطلقوا عَنْ لسانيا

أَمَعْشرَ تَيْمٍ قد ملكتم فأَسْجِحُوا ... فإنّ أخاكم لم يكن من بوائيا [4]

(1) المهلهل بن ربيعة التغلبي حياته وشعره: 275، شعواء: مغيرة في كل مكان، باق نورها: أثرها، الردى: السريع المسير.

(2) ديوان شعره: 42، تئل: تنجو ومنه الموئل، أي المنجى.

(3) العمدة: 1/ 193.

(4) المفضليات: 157. اسجحوا: سهلوا أمري، بواء: من قولهم: باء فلان بفلان: أي دما بدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت