الصفحة 141 من 392

إن الوجه الكالح للهجاء المتمثل بإطلاق اللسان في ذكر السوءات، وبيان النقائص لا ينفي عنه إطلاقًا دوره الإيجابي الذي ينهض به في الإبقاء على قيم المجتمع المحمودة أو أعلائها، فالشاعر الهجّاء رقيب اجتماعي أو ناقد، وللناقد مثله الأعلى الذي يعتز به، ويحرص عليه، ويدافع عنه، فإذا ما صادف مثله ذاك ما يتعارض معه، خفّ إلى تعريته وهدمه، فالهجاء ينطوي على ثنائية يتجاور فيها الهدم والبناء معًا [1] ، والجانب الباني منه يستمد قوامه من الخوف الذي يثيره مظهره الهدّام، فالسوء يطفو على السطح بغياب الرادع، ويأتي الرادع من قوة القانون السماوي أو الأرضي، ولم يكن لدى العرب في عصر ما قبل الإسلام شيء منهما بحكم المرحلة التي شهدوها فكان الهجاء بمثابة القانون السماوي والأرضي يقوم بما يقومان به من ترصد السوء وردع مرتكبه، فقد كان الهجاء حاضرًا، إذْ كانا غائبين [2] ، ومن هنا فإن الهجاء قد اسهم على نحو من الأنحاء في المحافظة على القيم السائدة في المجتمع العربي وقتذاك، فهذا زهير بن أبي سلمى يسوق الشواهد لأعدائه الذين أنكروا حقه، وينصح لهم بأن لا يسرفوا في الإنكار، فيكون شأنهم شأن الذين حادوا عن الصواب حتى إذا نالهم الهجاء بشواظه الحارق، آبوا إلى السبيل القويم مرغمين:

ولا تكونَنْ كأقوامٍ علمتُهُمُ ... يلوون ما عندهم حتى إذا نُهِكُوا [3]

طابتْ نفوسهمُ عن حقِّ خصمِهِمُ ... مخافَةَ الشَّرِّ فارتدوا لما تركُوا [4]

فهو يكف لسانه عن الهجو صيانة لعرضه الذي يريده منيعًا، ويخشى عليه من المعرة والدنس، لأنه يعلم أن كل شر يقابل بمثله، وأن الشتيمة لا تورث إلا نظائر لها [5] .

وبوحي من هذا الوعي كان ينأى ـ غالبًا ـ عن الهجاء المباشر ويؤثر الوعيد به والتخويف منه [6] ، وكأنما كان يمنح خصمه فرصة لمراجعة النفس والتفكير في العواقب، وإعادة النظر في المواقف بحكمة

(1) الهجاء عند ابن الرومي: 287.

(2) الهجاء الجاهلي صوره وأساليبه الفنية: 140.

(3) تهنكوا: شتموا وبلغ منهم في الهجاء واصله من نهكة المرض.

(4) شرح ديوانه: 181. ارتدوا: رجعوا إلى الحق الذي تركوه.

(5) ينظر: نفسه: 250 - 251، 30، وديوان أوس بن حجر: ق 48ب 26/ 121.

(6) ينظر: نفسه: 307 - 308.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت