الصفحة 142 من 392

وسداد، وهو بهذا الصنيع ينال مأربين، أولهما: هداية الضال، وإذعانه لصوت الحق دونما الدخول في خصومة حادة معه، وثانيهما: حماية النفس من مذمة الهجاء المرتقب الذي يرد به خصمه عليه.

الشيب والشيخوخة:

إن عهد الشباب والفتاء ربيع زاه عامر بالقوة والبهجة واللذاذة، بيد أنه يمضي سريعًا، لا ارتجاع له إذا ذهب [1] ، وإنه مداهم أبدًا بخطر الشيب والشيخوخة اللذين يوهنان قوته، ويطفئان جذوته، ويجعلان الموت شبحًا منتصبًا قبالة الإنسان في كل لحظة، فالشيب يخمد ضوء الشباب الثاقب [2] ، وهو مطية الأجل [3] ، وخطام المنية [4] ونذير الموت [5] وتمهيد للحمام [6] ، بل ذهبوا إلى أكثر من ذلك فعدّوا الشيخوخة معنى مرادفًا للموت نفسه [7] ، لما تولده من إحساس مرّ بدنو الأجل، وانتهاء الحياة. والمشيب قدر لا مهرب للإنسان منه، ولا خيار له سواه، فهو يعقب الشباب بعد إدباره ببياضه الزاهر النافر، قال امرؤ القيس:

فوا عَجَبا ما قد عجبتُ من الفتى ... تُبدِّلُهُ الأيَّامُ والدهرُ أعْصُرا

فإن يمس يومًا ذا شبابٍ فإنّها ... ستُخلفه شيبًا وخلْقًا مُحسَّرا

ولو خُيِّرَ اللونيْنِ أيّهما له ... لقال سوى هذا، ولو كان أزهرا [8]

(1) ينظر: ديوان بشر بن أبي خازم: ق 23 ب 21/ 112.

(2) ينظر: ديوان امرؤ القيس: ق 47 ب 11/ 217.

(3) ينظر: بكاء الناس على الشباب وجزعهم من الشيب: 93.

(4) ينظر: البيان والتبين: 2/ 333، والعقد الفريد: 2/ 318.

(5) ينظر: العقد الفريد: 2/ 318.

(6) ينظر: البيات والتبين: 2/ 333.

(7) ينظر: ديوان الهذليين: 1/ 191، ولسان العرب: 6/ 296.

(8) ديوانه: 265.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت