فهرس الكتاب
إن الموازنة بين الشباب المتسم بالامتلاء والطراوة، والهرم الدال على الخواء والجفاف لتقود المرء إلى إحساس مرّ لاذعٍ، وفزع دائم يبغضان إليه الشيب، وينفرانه منه، فيفكر في اتقاء شرّه، والخلاص منه، لكن الوسائل كلها باتت عقيمة لا تنفع في مواجهته، وعاجزة عن دفع غوائله، فما عليه إلا التسليم بالأمر الواقع، والرضوخ لهذا القادم المخيف والزائر البغيض إلى النفس، فحلول الشيب يعني أن الشباب قد أفل، أو أن محبوبًا قد خلّى مكانه لمبغوض، ولا عاصم لأحد من خطره ولا منجى لمن رام الهرب منه، فهو واقع لا محالة، قال عدي بن زيد العبادي:
نزلَ المشيبُ بوفدهِ لا مرحبًا ... ورأى الشبابُ مكانَهُ فتجنَّبا
ضيفٌ بغيضٌ لا أرى لي عُصْرةً ... منه هربتُ، فلم أجدْ لي مهربا [1]
وليس طول العمر وامتداد الأجل بقادرين على كبح جماحه، ولا سرور في ظل عمر ملاحق بالشيب، محفوف بالألم والتوجس، قال عمرو بن قميئة:
لا تغبِط المرءَ أنْ يُقالَ له ... أمسى فلانٌ لعمره حَكَما
إنْ سرَّه طولُ عيشهِ فلَقَدْ ... أضحى على الوجه طولُ ما سَلِما [2]
إن لون الشيب الأبيض يحمل كل معاني الشؤم، وينذر بشر مستطير، قال عدي العبادي:
وابيضاضُ السّوادِ من نُذُرِ الشَّـ ... ـرِّ ... وهل بعدَهُ لأُنسٍ نَذِيرُ؟ [3]
فلونه الأبيض يبدو أسود حالك السواد في منظار الخلق، لأنه مضمون معادل للرعب والقبح، قال طرفة:
لمّا رأيتُ الشّيبَ قد راعني ... والشيبُ واللهِ معًا والقبوحْ [4]
(1) ديوانه: 113، وينظر: ديوان الأعشى: ق63 ب20/ 150، وشعر ربيعة بن مقروم الضبي: ق1 ب2/ 350، وديوان ابن مقبل: ق 10ب 10/ 72، والشعر والشعراء: 1/ 105.
(2) ديوانه: 40 - 41.
(3) ديوانه: 85.
(4) ديوانه: 170، وينظر: ديوان عبيد بن الأبرص: ق 5 ب 6/ 11.