الصفحة 144 من 392

وقد وجد الشاعر في الشيخوخة ما يسوغ له خوفه منها وبرمه بها، إذ تنضب طاقاته، وتتعطل قواه، فتكف أعضاؤه عن تلبية حاجاته، وتطمين متطلبات حياته، فيمضه ذلك، ويملأ نفسه غمًا ثقيلًا، وحسرة كاوية، وشكوى مرّة، قال الربيع بن ضبيع الفزاري:

أصبحَ منّي الشبابُ قد حَسَرا ... إنْ ينْأَ عني فقد ثوى عَصَرا

ودّعنا قبل أنْ نُودّعَه ... لما قضى من جماعنا الوَطَرا

أصبحتُ لا أحمل السلاحَ ولا ... أملكُ رأسَ البعير إنْ نَفَرا

والذئبُ أخشاه إنْ مررتُ به ... وحدي وأخشى الرياحَ والمطرا

من بعد ما قوةٍ أُسَرُّ بها ... أصبحتُ شيخًا أعالج الكِبَرا [1]

وذو الأصبع العدواني يرسم صورة رهيبة للشيخوخة، منبثقة من التضاد القائم بين شبابه الذي استجاب لكل شيء وشيخوخته التي تقعده عن كل شيء، فالشيخ طَرْف كليلُ، وسمع ثقيل، وبدن ناحل، تخونه رجلاه إذا قام لحاجته فيستنجد بالعصا ويتوكأ عليها، ويستعين بها، إنه التحول بفعل الزمن الذي أشار إليه الشاعر بدلالة الفعل (أصبحتُ) في قوله:

أصبحتُ شيخًا أرى الشخصين أربعةً ... والشخصَ شخصين لمّا مسنّي الكِبرُ

ما للكواعبِ يا دهماءُ قد جعلتْ ... تزْورُّ عنّي وتطوى دوني الحُجَرُ

قد كنتُ فرّاج أبوابٍ مغلَّقةٍ ... ذبَّ الرياءِ إذا ما خُولسَ النظرُ

لا أسمعُ الصوتَ حتى أستديرَ له ... ليلًا وإنْ هُوَ ناغاني به القمرُ

وكنتُ أمشي على الرجلين معتدلًا ... فصرتُ أمشي على ما تنُبت الشجرُ

إذا أقومُ عجنتُ الأرضُ مُتَّكِئًا ... على البراجم حتى يذهبَ النَّفَرُ [2]

(1) الربيع بن ضبيع الفزاري حياته وشعره: 47، وينظر: شعر النمر بن تولب: ق 31 ب 11 - 22/ 84 - 87.

(2) ديوانه: 33، وينظر: ديوان ابن مقبل: ق10 ب10/ 72، وشعر قبيلة ذبيان في الجاهلية: ب1ـ2/ 464.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت