الصفحة 145 من 392

ولم يكتف الشعراء بذكر الوهن الذي يصيب الشيوخ فيقعدهم عن النشاط والحركة، بل تحدثوا عن أبعاد ذلك الضعف المتمثلة بعزلتهم القاتلة التي تحدث في داخلهم شرخا نفسيًا كبيرًا يصرفهم إلى همومهم الخاصة ومداراة ضعفهم غير آبهين بما يجري حولهم، فللشيوخ عالمهم الخاص وللآخرين عوالمهم ولا جامع بين عالم قوي متحرك وآخر واه ساكن، قال ساعدة بن جؤية:

وَسْنانُ ليس بقاظٍ نومةً أبدًا ... لولا غداة يسيرُ الناسُ لم يقُم

في منكبيهِ وفي الأصلابِ واهنةٌ ... وفي مفاصله غمزٌ من العَسَم

إن تأتهِ في نهار الصيف لا تَرَهُ ... إلا يجمِّعُ ما يصلى من الجُحَم

حتىّ يقال وراء البيتِ مُنْتبِذًا ... قم ـ لا أبالك ـ سار الناسُ فاحتزِم

فقام تُرْعدُ كفّاه بِمحْجنهِ ... قد عاد رَهْبًا رَذيًّا طائشَ القَدَمِ [1]

ويهون أمر الشيخ على اعدائه فيشمتون به لعلمهم أن الشيخوخة قد أفقدته عوامل التحدي الصارم والمواجهة المكينة، كما أن الأهل يسأمونه ويستثقلون ظله لما آل إليه من عجز وضعف، قال عروة بن الورد:

أليسَ ورائي أنْ أدِبَّ على العصا ... فيشمت أعدائي، ويسأمني أهلي

رهينةَ قعْرِ البيت كلّ عشيّةٍ ... يُطيفُ بي الولدانُ أهْدَجُ كالرأْلِ [2]

فللشبيبة زمنها وللشيخوخة زمنها وباختلاف الزمنيين تختلف ردود الفعل لدى المرء تجاههما قوة وضعفًا، ومن هنا تأتي لهفة عمرو بن قميئة على عهد شبابه الذي مضى وخلى مكانه لزمن جديد إذا ضيم فيه لا يملك ما يدفع به الضيم عن نفسه لعجز وسائله:

يا لهفَ نفسي على الشبابِ، وَلَمْ ... أفْقِدْ به إذ فقدتُهُ أَمَما

قد كنتُ في ميعةٍ أُسَرُّ بها ... أمنعُ ضيمي، وأهبِطُ العُصُما [3]

(1) ديوان الهذليين: 1/ 192ـ193.

(2) ديوانه: 114. الرأل: فرخ النعام.

(3) ديوانه: 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت