فهرس الكتاب
وطرفة بن العبد لا يرهب الأعداء ولا يخشى وعيدهم، لأنه ما زال شابًا يتمتع بقوته وعنفوانه على الرد والمناهضة، ولو كان شيخًا لكان عليه أن يجبن ويتخاذل وأنّى للشيخ تلك القوة التي تحميه وتدفع عنه مشاعر الخوف؟ قال:
وهلْ يخشى وعيدَ الناس إلاّ ... كبيرُ السّنِّ أو ضَرعٌ صغيرُ؟ [1]
إن خوف الشاعر من الشيخوخة ليس باعثه الضعف الذي يمكّن عليه أعداءه فحسب، إنما ترهبه أيضًا تلك الجفوة الحادة التي يقابله بها الآخرون لاسيما أهله الأدنون والنساء، فإبداء الرأي في الأمور، والمشاركة في حياة الجماعة يحملان دلالة الحياة نفسها، وإذا ما شعر الإنسان أن الجماعة تنتبذه ولا تقيم له وزنًا، سئم الحياة، وتمنى زوالها، لأنه لم يعد يصلح ـ في نظرهم ـ لتلك المهام بعد أن نضبت قواه وذهب عنه ألقه، فالشاعر الفارس دريد بن الصمة، كان معقد الآمال في حروب قومه، وموضع إكبارهم وتعظيمهم يوم كان فتى القبيلة المقدم يخوض حروبها فيبلو فيها أحسن البلاء، إلاّ أنهم جفوه وألقوا به وراء ظهورهم ولا جريرة له سوى علو السن، فقد أقصي بيته عن البيوت، وقيد بقيد الفرس لئلا يهيم على وجهه [2] ، فقال يذكر تلك المعاناة بغير قليل من الألم والمضاضة:
في مَنْزلٍ نازحٍ مِ الحيِّ مُنْتبذٍ ... كمرَبطِ العَيْرِ لا أًُدعى إلى خَبَر
كأنّني خَربٌ جُزّتْ قوادمُه ... أو جثّة من بُغاثٍ في يدي هَصِر [3]
يُمضونَ أمرَهُمُ دوني وما فقدوا ... منّي عزيمةَ أمرٍ ما خلا كِبَري
ونومةٍ لستُ أقْضيها، وإن مَتُعَتْ ... وما مضى قبلُ من شأوي ومن عُمُري
وإنّني رابني قَيْدٌ حُبِستُ بِهِ ... وقد أكونُ وما يُمشى على أثري [4]
والشيخ في ظل إحساسه بالضعف والحرمان يتمنى أن يحل به الموت الذي هو أخوف مخاوف الإنسان لينتشله من وهدة العذاب الذي يحس به ممن حوله، قال كعب بن رداة النخعي:
(1) ديوانه: 94، الضرع: الضعيف.
(2) ينظر: الأغاني: 10/ 25.
(3) خرب: ذكر الحباري، هصر: حيوان مفترس.
(4) ديوانه: 66، وينظر: المعمرون والوصايا:30.