الصفحة 147 من 392

لقد ملنّي الأدنى، وأبغض رؤيتي ... وأنبأَني ألاَّ يحلَّ ملامي

على الراحتينِ مرةً وعلى العصا ... أنوءُ ثلاثًا بعدهُنَّ قيامي

فيا ليتني قد سِخْتُ في الأرض قامةً ... وليتَ طعامي كان فيه حِمامي [1]

ومن الأوزار الثقيلة التي تتركها الشيخوخة، ويخاف الناس من وقعها إزورار النساء عن الشيخ الذي فقد رواءه وبشاشته فتقل حظوته عندهن ويهجرنه لأنهن لا يوافين إلا الأمرد، قال الأعشى:

وأرى الغواني حين شِبتُ هجرنني ... أنْ لا أكونَ لهنَّ مِثليَ أمْردا

إنّ الغوانيَ لا يواصلنَ امْرَءًَا ... فَقَدَ الشبابَ وقد يَصِلْنَ الأمردا [2]

إن ما يخافه الشاعر من الشيخوخة في هذا المضمار ليس من قبيل الخيال أو التوقع، إنما هو تجربة ملموسة، وواقع مجرب، فعلقمة الفحل عليم بشؤون النساء بحكم خبرته التي استمدها من تجاربه معهن، يقول:

فإنْ تسألوني بالنساءِ فإنّني ... بصيرٌ بأدواءِ النساء طبيبُ

إذا شاب رأسُ المرء أو قلّ ماله ... فليس له من ودِّهِنَّ نصيبُ

يُرِدْنَ ثراءَ المالِ حيث علِمنه ... وشرخُ الشبابِ عندهُنَّ عجيبُ [3]

وقد التفت الشعراء إلى الأثر النفسي الذي تخلفه الشيخوخة في نفوسهم، ويبدو هذا الإحساس المرّ في علاقاتهم مع الأخرين، فكل شيء يشعرهم أن عهد الشباب قد ولّى وأن زمن اللهو والتصابي قد انتهى، وما قول العذارى لزهير"انت عمنا"إلا صورة مجسدة لتغير الأحوال وزهد المرأة في الشيوخ، قال زهير:

وقال العذارى إنما أنت عمّنا ... وكانَ الشبابُ كالخليط نزايلُهْ

(1) المعمرون والوصايا: 93، وينظر: ديوان امرىء القيس: ق 59 ب 1/ 262.

(2) ديوانه: 227، وينظر: ديوان سلامة بن جندل: ق 5 ب 5 - 7/ 225.

(3) ديوانه: 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت