الصفحة 148 من 392

فأصبحْنَ ما يعرِفْنَ إلا خليقتي ... وإلا سوادَ الرأسَ والشيبُ شاملُهْ [1]

ويكون الصدود أمض وأشد إذا كان من قبل المرأة الزوجة، قال عبيد ابن الأبرص:

أَلا عتبتْ عليَّ اليومَ عِرسِي ... وقد هبَّتْ بِلَيلٍ تشتكيني

فقالت لي: كبرت، فقلتُ: حقًا ... لقد أخلفتُ حينًا بعد حين

تُريني آيةَ الإعراضِ منها ... وفظّتْ في المقالة بعد لين

ومطّتْ حاجبَيْها أن رأتني ... كبرتُ وأن قَدِ ابْيَضَّتْ قروني

فقلتُ لها: رويدك بعضَ عتبي ... فإني لا أرى أنْ تزدهيني

وعيشي بالذي يغنيكِ حتى ... إذا ما شئتِ أنْ تنأي فبيني [2]

وهذه زوجته تقرر مغادرته لأنها لا تجد فيه ما يجذبها إليه أو يرغبها في البقاء عنده، وإدامة العشرة معه، فقد مضى حلو العيش، ولم يعد الشاعر بكفء لها، فالشاعر واقع تحت رحمة قوتين لا ترحمانه، قوة الزمن، وقساوة المرأة الكنود [3] .

إن زهد المرأة في الرجل الشيخ وسخريتها به ـ لا سيما الزوجة ـ يسببان له إنكسارًا نفسيًا يشعره بفداحة الخطب ودنو المقام عندها، فلا يملك إزاء هذه الحال إلا المحاولة المتواصلة لاقناعها بأن الشيب ليس عارًا أو شينًا، كما يحاول تذكيرها بأيام شبابه ومضائه وحيويته، قال المثقب العبدي:

تهزَّأتْ عرسيَ واستنكرتْ ... شَيْبي ففيها جَنَفٌ وازْوِرَارْ

لا تُكثري هُزءًا، ولا تعجبي ... فليس بالشيب على المرء عارْ

و لا أرى مالًا إذا لم يكنْ ... زعْفٌ وخطّارٌ ونهدٌ مُعارْ

فذاك عصرٌ قد خلا و الفتى ... تُلوي لياليهِ به والنهارْ [4]

(1) شرح ديوانه: 125.

(2) ديوانه: 133.

(3) نفسه: ق 41 ب 8 - 21/ 106.

(4) ديوانه: 274 - 275، وينظر: ديوان ذي الأصبع العدواني: ق 5 ب 5 - 6/ 39، وشعر ربيعة بن مقروم الضبي: ق 10 ب 1 - 3/ 363.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت