الصفحة 149 من 392

وحينما يريد الشيخ الفاني أن تعدل المرأة عن فكرة المفارقة أو الجفاء يعمد إلى الحديث إليها حديثًا لينا لا تشوبه خشونة ولا تخالطه قسوة لاستمالتها إليه، وحديثه ذاك يوحي بقصور وسائله الأخرى لردعها، تلك الوسائل التي اقترنت بمرحلة الشباب وحدها، وانتهى مفعولها مع انتهاء المرحلة، فطرفة الشاب يضيق بإساءة المرأة ويقابل صدودها بصدود مماثل، ولم الانصياع لمشيئتها ما دام في الجسم قوة وفي الحياة بقية ولم يحن الوقت للشيخوخة أن تسلبهما منه؟:

وإذا تلسنني ألسُنها ... إنني لستُ بموهونٍ فَقِرْ

لا كبيرٌ دالفٌ من هَرَمٍ ... أرهبُ الليلَ ولا كل الظُفُرْ [1]

إن عجز الشيوخ عن مسايرة حاضرهم المؤلم يلجئهم إلى اجترار ايامهم الخوالي بهدف التعويض عن حاضرهم المجدب، وكأنهم يقولون: إن عجزنا الان جاء عقب حياة ازدانت بألوان المتع والحب والفروسية والأحلام، إن هذا التعويض يساعد على التوافق، وخفض التوتر النفسي ... فهو يساعد على تغطية النقص واخفائه، فيقلل ذلك من خوف الفرد من النقد سواء أكان هذا النقد صادرًا عن الفرد نفسه أو من الغير" [2] (كذا) ولكنهم على كل حال يسوقون ذكريات الماضي والحسرة تملأ نفوسهم لذهابها وعجزهم عن استعادتها جراء الشقاء الذي الحقته بهم الشيخوخة، فهم يتمنون لو كانت أيام النعيم دائمة لم تفارقهم [3] ."

وقد يوهم الشيخ نفسه بتصابيه أو يحاول ايهام الأخرين به على أنه ما زال في دائرة الشباب والفتوة، لكنه سرعان ما يصطدم بقيود المجتمع التي لا تسوغ له ممارسة تقاليد الشباب في زمن الشيخوخة،

(1) ديوانه: 74 - 75.

(2) علم النفس في حياتنا اليومية: 181.

(3) ينظر: ديوان امرىء القيس: ق 2 ب 37 - 38/ 35 - 36، وديوان عدي بن زيد: ق 4 ب 4 - 5/ 123، وديوان سلامة بن جندل: ق 1 ب 1 - 4/ 90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت