الصفحة 150 من 392

بل أن المجتمع لا يني يوجه إليه نقدًا مرًّا بغية حمله على العودة إلى حياة الشيخوخة، وما فيها من حرمان وعجز ويأس، فلا تصابي في عرف المجتمع مع الشيب، قال الأسود بن يعفر:

صحا سكَرٌ منه طويلٌ بزيننا ... تعاقَبه لَمّا استبانَ وجرَّبا

وأحكمَه شيبُ القَذالِ عن الصبا ... فيكف تصابيه وقد صار أشيبا [1]

وإذا ما تصابى الشيخُ عدَّ ذلك منه خروجًا على المألوف يقابل عليه باللوم والتقريع، قال الأعشى:

فاقْنَ حياءً أنتَ ضيَّعْتَه ... مالك بعد الشيبِ من عاذرِ [2]

والشيب لا مفر منه، ولا حول للإنسان عليه، وإن ما يبذله من مساع لاخفائه أو الحيلولة دون ظهوره مساع مخفقة فلا الحجاب يستره عن الأعين، ولا الخضاب يعيد إليه ملامح الشباب ونضارته، قال المرقش الأكبر:

هل يُرْجِعَنْ لي لِمتَّي إنْ خَضَبْتُها ... إلى عهدها قبل المشيبِ خِضابُها [3]

ويحتدم في داخل الإنسان صراع يتمثل في رغبته في طول العمر وخوفه من الهرم الذي يجلب له متاعب كبيرة ليس في طوقه احتمالها فيسأم الحياة لأنها معذبة، قال عبيد ابن الأبرص:

ترى المرءَ يصبو للحياةِ وَ طولِها ... وفي طولِ عيشِ المرءِ أبرحُ تعذيبِ [4]

وما دام طول الحياة يعني التعذيب والشقاء، فلا مسوغ إذن للاغتباط به ِ [5] وقد بلغت خشية الإنسان من الهرم وآثاره القاسية مبلغًا طلب معها الموت والانتهاء وهو ما يزال يملك بعضًا من القوة وبقية من الحياة، فهو يجد في الموت منجى من الشيخوخة، قال زهير بن جناب:

(1) ديوانه: 20، وينظر: ديوان اوس بن حجر: ق 2 ب 1 - 5/ 2، وديوان النابغة الذبياني: ق 2 ب 8/ 32.

(2) ديوانه: 143، وينظر له: ق 22 ب 1/ 171.

(3) المرقش الأكبر أخباره وشعره: 884، وينظر: ديوان الأعشى: ق 63 ب 9/ 323.

(4) ديوانه: 27، وينظر: شرح ديوان زهير: 29، وديوان الأعشى: ق2 ب1/ 15، وشرح ديوان لبيد: ق5 ب5ـ6/ 35، وديوان النابغة الجعدي: ق 4 ب1 - 3/ 191.

(5) ينظر: ديوان عمرو بن قميئة: ق 4 ب 4 - 5/ 40 - 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت