فهرس الكتاب
ويفصح عامر بن الطفيل عن اقتدار قومه وشجاعتهم في التصدي للأعداء وينفي عنهم كل دلائل الضعف والخور، فهم لقوتهم وعزتهم لا يحتمون بسواهم إذا لحقهم جرم أو جناية، ففي القنا تكمن قوتهم التي لا تقهرو بأسهم الذي لا يلين:
وفدنا فآوينا بأشرافِ دارمٍ ... غداةَ جزينا الجَوْنَ بالجونِ صيْلَمَا [1]
وَلم يكْفِنا قومٌ مقاماً ولم نَعُذْ ... بغيرِ القنا في خشيةٍ أو تجرّما [2]
وهناك شواهد وأمثلة أخرى قريبة من الاحتماء بالأقوى، كاعتصام ملاح السفينة بخيزرانها عند تلاطم الأمواج وهياج الماء [3] ، أو التزام ركابها كوثلها عند استشعارهم الخطر [4] .
الإختفاء:
وقد يلجأ الخائف إلى الإختفاء والاستتار اتقاء شر المخيف وتفاديا لخطره ففي يوم النسار هزمت عامر، هزمتها بنو أسد، فهجاهم بشر بن أبي خازم وعيّرهم بالجبن الذي منعهم من حماية ذمارهم، فنساؤهم استترن في منخفض من الأرض ترتعد فرائصهن من شدة الفرق، وقلوبهن مفزعة من المصير الذي يتوقعن حلوله بهن، قائلاً:
لحوْناهمُ لحوَ العصيِّ فأصبحوا ... على آلةٍ يشكو الهوانَ حَريبُها [5]
قطعناهمُ، فباليمامةِ قطعةٌ ... وأخرى بأوطاسٍ تهِرُّ كليبُها [6]
تبيتُ النساء المرضعاتُ برهوةٍ ... تقرّأُ من هولِ الجَنانِ قلوبها [7]
(1) الجون الأولى: من قبائل العرب، والثانية بمعنى الخيل، الصيلم: الداهية أو السيف.
(2) ديوانه: 116، التجرم: الاتهام بالجرم.
(3) ينظر: ديوان النابغة الذبياني: ق 1 ب 46/ 27.
(4) ينظر: ديوان الأعشى: ق 4 ب 8/ 39، وق 7 ب 6 - 7/ 239.
(5) اللحو: قشر العود، الآلة: الحالة، الحريب: الذي سلب ماله.
(6) أوطاس: موضع، كليب: جمع كلب، وتهر كليبها: أي هم يتحارسون من الخوف.
(7) ديوانه: 18، الرهوة: المكان المنخفض أو المرتفع، الجنان: شدة ظلمة الليل.