فهرس الكتاب
وعمرو بن الأهتم يفخر بقريه الضيفان، وإكرامه الطارقين، فكرمه عادة مستديمة ألفتها فيه حتى إبله التي أخذت تخشى دخوله عليها في الليل لأنها متيقنة ـ بحكم تجارب سابقة ـ بأن دخوله عليها في الليل يعني البحث عن ضحية جديدة يقتنصها بدافع كرمه المعهود، لذا فهي تتوقاه، وتتستر الواجدة فيها وراء الأخرى لئلا تقصد فتعفر:
وَ قمت إلى البَرْكِ الهواجدِ فاتَّقتْ ... مقاصيدَ كومٌ كالمجادِلِ رُوْقُ [1]
بأدماءَ مِرباعِ النتاجِ كأنّها ... إذا عرضت دون العشار فَنيقُ [2]
وقريب من هذا قول امرئ القيس في طريف بن مالك:
لَنِعْمَ الفتى تعشو إلى ضوء ناره ... طريفُ بن مالِ ليلةَ الجوعِ والخَصَرْ [3]
إذا البازلُ الكوماء راحتْ عشيّةً ... تُلاوذُ من صوتِ المُبسِّين بالشَّجَرْ [4]
إن الاختفاء من الخوف في العرف الإنساني أمر معيب، وسلوك مرذ ول لما فيه من دلالات على العجز، وأمارات على الخوف [5] ، ومن هذا المنظور يأبى طرفة أن ينزل التلاع للاستتار، أو الاحتجاب عن أنظار قصاده، فهو لايحس في داخله خوفا يدعوه إلى ذلك أو يغريه به، بل من دواعي فخره أن يكون مقيما بين قومه معروف مكان الإقامة فيهم، يقري الضيفان، ويلبي دعوة الداعي عند كل ملمة، وساعة كل ضائقة:
وَ لستُ بحلاّلِ التلاعِ مخافةً ... وَ لكنْ متى يسترفِدِ القومُ أرفِدِ [6]
(1) البرك: جماعة الإبل الباركة، المقاصيد: الإبل العظام، المجادل: القصور، الرواق: بيت من الفسطاط يحمل على عمود واحد طويل شبه به الإبل لعظمها.
(2) المفضليات: 129، وينظر: ديوان المثقب العبدي: ق 4 ب 7/ 121، ناقة فنق، إذا كانت فتية لحيمة.
(3) الخصر: شدة البرد.
(4) ديوانه: 142، البازل: المسنة من الإبل، المبس: الذي يدعو للحلب، فيقول: بس بس.
(5) ينظر: ديوان عامر بن الطفيل: ق 18 ب 1 - 2/ 58.
(6) التلاع: مجاري الماء من رؤوس الجبال إلى الأودية، يسترفد القوم: يسألون رفدي.