الصفحة 306 من 392

فجوعٍ لأهل الصالحين، مزلَّةٍ ... مخوفٍ رداها أن تصيبَك، فاحذَرِ [1]

ولم تكن لدى الصعلوك وسيلة أنجع من المغامرة لتجنب الخوف من الفقر، وإشاعة الأمان في النفس، وإبعاد الإزدراء عن المقام الإجتماعي [2] ،لكنها مغامرة غير مأمونة العواقب، فقد يلقى المغامر فيها حتفه، ويدفع حياته ثمناً لها، لكن ذلك لم يعد مهما في مسلك الصعاليك، إنما الشأن الأول ألا يكف المحاولة، ولا يتقاعس عن الطلب والسعي، فإذا أخفقت محاولته أو كبا فارسها عن نيل مراميه، كرر المحاولة ثانية، فالموت في هذا المقام حميد، وفي النجاة غنى، قال عروة:

وَ لكنّ صعلوكاً، صحيفةُ وجههِ ... كضوءِ شهابِ القابسِ المُتَنوّر

مطلاًّ على أعدائه يزجُرُونَهُ ... بساحتهم، زجرَ المَنيحِ المُشهَّرِ [3]

فذلك إنْ يلقَ المنيّةَ يلْقَها ... حميداً، وإنْ يستغنِ يوماً، فأَجْدِرِ [4]

لقد تبينت بجلاء من خلال استنطاق النصوص المظاهرُ التي يتسم بها الخائفون حينما يتعرضون لمواقف مكدرة يتوقعون منها الأضرار فبدت تلك المظاهر تارة بالحركة والسكون وتارة بالصوت والأمارات الجسدية الأخرى، كما أن نصوصا أخرى توفرت على تجسيد الطرائق التي يهرع إليها الخائفون ويلوذون بها لمواجهة مخاوفهم بأساليب تتميز بالتحدي والجلد أحياناً وأخرى قوامها الهرب والإنكفاء فاستوت بذلك على ضربين من الاستجابات تقاطعا بين السلب والإيجاب، وهذه المظاهر التي عرض لها الفن الشعري وقائع مقررة عند علماء النفس [5] .

(1) ديوان عروة بن الورد: 67 - 69، مزلة: تزل بأهلها.

(2) ينظر: نفسه: 91.

(3) المتيح: قدح مستعار سريع الخروج والفوز، يستعار فيضرب ثم يرد إلى صاحبه.

(4) نفسه: 72 - 73.

(5) ينظر: الخوف: 24 - 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت