الخوف ـ كما تبين ـ انفعال منغص ينتاب المخلوق لوجود باعث عليه، والبواعث متعددة متنوعة ومقسومة بين المجهول والمعلوم، فمن المجهول (الزمن) الذي وقف أمامه الشاعر العربي قبل الإسلام وجلًا مرتعد الفرائض، يعده القوة المهيمنة التي لا حول للأنسان عليها ولا قوة له على تغيير مقاديرها، يعزو إليها كل ما يصيبه من خير وشر وقتامة وألق وكل التناقضات المفضية إلى القلق واهتزاز الداخل أو السرور وانشراح النفس، وعلى وفق هذا التصور يبدو موقف الشاعر من الماضي والحاضر والمستقبل، فيجد في الحاضر لحظة مؤقتة يخاف عليها من المجهول الذي يحمله إليه المستقبل الذي لا يعرف كنهه ويجهل فحواه، أما الماضي فهو مهربه الذي يلوذ به إذا برم بحاضره.
كما أن الجانب المكاني يشكل عنصرًا آخر من عناصر الخوف بكل ما يمكن أن يولده من القلق الذي تحدثه الصحراء ومجاهيلها، والأودية والمراقب ومواطن الغربة وسوح الوغى، فضلًا عن موقف الشاعر من الموت وماهية الوسائل التي يلجأ إليها لا يقاف زحفه عليه وإنقاذه من سطوته، ثم ما آل إليه جراء ذلك من يقين لا يشوبه شك في أن الموت لا مناص منه، لا ينجو منه الصغير والكبير والقوي والضعيف والظاعن والمقيم، والخلود الجسدي غاية لا تنال، ولا خلود إلاّ بالمعنى، وسبيل ذلك المعروف المتبوع بالثناء في الحياة المهددة بالموت في كل لحظة، تلك هي الدواعي المجهولة التي سيعرض لها هذا الفصل بمقتضى ما تنبىء بها النصوص.
الزمن أو الدهر:
يطالعنا الشعر العربي في عصر ما قبل الإسلام ـ وعلى سعة ـ باستعمال مفردتي الزمان والدهر، وقلّما يجد المرء شاعرًا من شعراء ذلك العصر خلت أشعاره من لفظيهما، فمن لم يتوفر منهم على لفظيهما الصريحين توفر على معناهما ضمنًا يودعه سياق القول فيشي به، ويرفع عنه حجابه، وقد آثرت ضمّ اللفظتين إلى بعضهما وإدراجهما في عنوان واحد بعد أن وجدت لصنيعي ذلك ما يسوغه بعد وقفة متأملة عند تعريفهما وتبيان الأواصر المغرية بالوصل لا الفصل بينهما، وقد كان المعول في ذلك على مصادر شتى، وعلى نصوص من عصر ما قبل الإسلام أغنت هذا المسار وعزّزت جانبه، وعكست نظرة الشاعر للزمان وأظهرت موقفه منه.