الصفحة 361 من 392

نفسية يضطلع بها الخوف في حياة الإنسان بقصد حمايته من الأخطار، وقد سمى الغزالي هذا الاكتساب تقليداً فأحسن التسمية.

ثم وقف التمهيد عند منافع الخوف على الرغم من أنه انفعال مكدر يثير مشاعر غير سارة، فهو يوجب الاحتياط ويدفع الأذى ويستنفر قوى الإنسان نحوالعمل والإنجاز وهو دليل على رغبة الإنسان في البقاء، وإن الإنسان السوي ليس بمنأى عن الخوف وليس بنافع له أن يكون كذلك، وختم التمهيد بالحديث عن منشأ الخوف ودور المظاهر الطبيعية وظواهرها الحادة في دهشة الإنسان المفرطة ازاءها ورهبته منها.

أما الفصل الأول فقد أتى على دواعي الخوف المجهولة بدءا بالزمن أو الدهر وقد عدّ الشاعر الزمن قوة مهيمنة رهيبة خارقة. وعزا إليه كل ما يصيب المرء من خير وشر، وصلاح وفساد، وهذه القوة متأتية من امتداده واستمراره، فهو جار لا يتوقف، ومتواصل لا ينقطع يذهب أهلوه وهو باق، وقد نظر في ضوء ذلك إلى حياته على أنها برهة انتظار، وأويقات ترقب لصروف الدهر وكوارثه، ولتأكيد هذه الهيمنة للدهر عرض الشاعر تجارب مرة لأناس غابرين وأحداثاً من الواقع المعيش فيه، وهو إذ يسوق هذه الشواهد إنّما يحذّر من مغبة الاطمئنان إليه والثقة به، وقد أيقن بأن الاحتراس منه لا ينفع مهما أوتي المرء من قوة، وبصيرة ومن ثروة ومال، ومن جند وأعوان، وقد أحس جراء ذلك بالاغتراب مما حوله ومن الكون نفسه.

إن جريان الزمن من المستقبل إلى الراهن ثم الخلوص منه إلى الماضي جعل الشاعر يخاف المستقبل لأنه يمثل لديه المجهول الذي يحمل إليه في طياته ما يعجزه عن معرفة أسراره والتكهن بخباياه، فنجم عن ذلك حرصه على الحاضر وتشبثه به لكونه تجربة معاشة، أو لحظة ذات كيان وليس المتسقبل إلا تجربة مباغتة لا علم لأحد بماهيتها، ولا بالصورة التي ستكون عليها، ولا بالنتائج التي ستؤول إليها، ومن هنا يهتبل فرص الحاضر قبل أن يكتسحها الاتي أو يحيل نعومة حياته عيشاً ناصباً، وما استكناه المستقبل بالكهانة والعرافة إلا مظهر من مظاهر الخوف من المستقبل ومحاولة لمعرفة ما سيكون عليه قبل حلول أوانهه، للاحتياط له واتخاذ الحذر منه، بيد أن هذه السبل لم تفلح في وضع حد لمخاوف الإنسان من المستقبل، لأنها لم تكن سوى نشاطات دارت في أطر التخمين والتوقع المحضين، وفضلاً عن ذلك فإن التطير بدا ضرباً

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت