الصفحة 362 من 392

من ضروب التخوف من الغيب، ولعل التشاؤم من صوت الغراب من أظهر صور التخوف من الغيب وأكثرها دورانا في أشعارهم ولم يجدوا ما هو أشأم منه لأنه ينذرهم بالكدر والسوء والأوجاع إذا شحج.

وحين يفقد الشاعر التوافق بين ذاته وعالمه الخارجي يكون الحاضر عنصراً مخيفاً له فيهرع إلى الماضي ويجد فيه ملاذاً مريحاً للتعويض عن راهنه الثقيل المفزع ولكنه على الرغم من فراره إليه يؤمن إيماناً لا يشوبه شك في أن الماضي لا يعود، وأن الأمل بتكراره حلم عقيم، إنه الاغتراب الذي يتولد بفعل الزمن والذي اتخذ شكلاً آخر عند الشعراء الصعاليك الذين شعروا باتساع الهوة بينهم وبين قبائهم فوجدوا في الصعلكة ذريعة للتمرد على حاضرهم القاهر لهم، والمهيمن لكرامتهم حتى أن بعضهم آثر صحبة الحيوان على معاشرة الإنسان على نحو ما تجلى ذلك عند الشنفرى في لاميته المشهورة، وقد أظهر الفصل أيضاً المكان عنصراً لا سيما الصحراء لما تتسم به من امتداد وخواء، وما تخبئه في مجاهيلها من مهالك ومخاطر، وقد بدا الخوف منها بدلالات عديدة منها اتخاذ المسافرين الأدلاء يستعينون بهم للاهتداء إلى مسالكها الآمنة، وايقاد الناس النار لسالكيها عند حلول الليل بجهامته المرعبة وظلامه الدامس ليأنسوا بها ويهتدوا إلى من يحميهم من ضلال الطريق والجوع والخوف، وقد زاد من خوفهم من الصحراء اعتقادهم بوجود الجن والكائنات المحتجبة التي كانت تطرق آذانهم بعزيفها المفزع، بل تتراءى لأبصارهم ـ على حد زعمهم ـ وهي في حقيقتها تخيلات لا يؤيدها من الواقع سند، وبعد الحديث عن الصحراء تابع الفصل الحديث عن الأماكن الأخرى المثيرة للخوف كالجبال والأودية والثغور والبحار وسوح الحرب، ثم وقف الفصل وقفة متأنية عند النصوص الشعرية التي أبرزت الموت عنصراً مخيفاً، وقد ظهر جانب من هذا الخوف في الثنائية المطلقة التي ترسخت في الأذهان، ثنائية العلم والجهل، العلم بحتمية الموت والجهل بميقات وقوعه، فالانتظار المفتوح المدى لحلول الموت يبعث على القلق والحيرة، بل إن النصوص أكدت أن الموت يبدأ مع لحظة الميلاد، وأن كل لحظة تمضي ما بين الميلاد والموت هي لحظة هزيمة الحياة لصالح الموت، وإن الموت يعرض لكل حي يستوي في ذلك الظاعن والمقيم، فلا السفر يعجل له الموت ولا الإقامة بقادرة على الأرجاء، ولا جدوى من الثراء والعز والجند في التحصن منه أو إزالة رهبته من النفوس.

إن حب الحياة قاد الخائف من الموت إلى نشدان الخلود الجسدي، بيد أنه أيقن بعد لأي أن حلم الخلود أمل خائب ولجاجة عابثة ووهم مضلل فراح يطلب الخلود المعنوي بالإقبال على الفضائل تعويضاً عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت