الصفحة 363 من 392

الخلود المادي الذي أخفق مسعاه في نيله، ولا شك في أن خوف ذلك الإنسان من الموت راجع إلى اعتقاده بأن الميت يؤول إلى العدم الذي لا حياة بعده فتحددت رؤيته من الموت في إطار الجسد وحده لضعف معتقده الديني، وظّل هذا الظن سائداً حتى بزغ نور الإسلام وأنبأ بالبعث والحشر فأصبح المؤمن به لا يخشى الموت نفسه، وإنما يخشى عاقبة أعماله.

وأفرد الفصل الثاني لدواعي الخوف المعلومة التي أقلقت النفوس وأشاعت فيها الأوجال بدءا بالحروب والغارات التي كان لها وقعها المفزع على الناس مغيرين ومغاراً عليهم لما تجره عليهم من مآسٍ وكوارث ولهذا أكثر الشعراء من التذكير بحروب القبائل المشهورة وآثارها البائسة كحروب داحس والغبراء وبعاث وقد حمل ذلك التذكير دلالتين دلالة الخوف الدافع إلى التذكير بها انطلاقا من النتائج التي آلت إليها وتمخضت عنها، ودلالة التخويف منها بقصد إتاحة الفرص النافعة للتمحاربين لمراجعة النفس والاحتكام إلى منطق الصواب والعقل واتخاذ القرار بعد تدبر وأناة لتفادي تكرار تلك التجارب القاتمة، كما كان الدافع إلى التحذير خوف المحذّر من أن تتغلب نوازع الحرب على فرص السلم على نحو ما يتجلى ذلك في تحذيرات نابغة بني ذبيان والأعشى، وفضلاً عن ذلك كلّه فإن المغارم التي كانت القبائل الضعيفة أو الخاملة تؤديها للقبائل ذوات المكنة والأيد تعد مظهراً من مظاهر الخوف من الحرب وشكلاً من أشكال الاحتماء بالقوي لدرء صولات أقوياء آخرين.

أما الهجاء فقد بدا عنصراً مخيفاً لما كان يقوم عليه من ذكر الرذائل والعيوب، وما كان يفضي إليه من لعنات تلازم المهجو في حياته وبعد موته، بل وتنتقل إلى إعقابه من بعده، وبسبب ذلك كان السادة والأشراف أكثر الناس عرضة له وأعظمهم فرقا منه وعدوه موتاً معنوياً لهم، بيد أن هذا الهجاء على الرغم من سلبياته لم يكن يخلو من جوانب البناء بوصفه رادعاً للسلوك الاجتماعي غير المقبول للمهجو في غياب القوى الرادعة الأخرى.

والشيب والشيخوخة بما يحملانه من دلالة انقضاء عهد الشباب وقرب النهاية، وما ينجم عنهما من أبعاد اجتماعية مؤلمة شكلا عنصر إخافة جأر الشعراء منه بالشكوى المرّة.

وللخوف من الفقر صدى كبير عبّر عنه الشعراء بالإنكسار النفسي الذي ولده لهم بسبب قصور الوسائل عن تطمين الحاجات والانعكاسات الاجتماعية القابضة للنفس والمتمثلة بتصّدع العلاقات وجفوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت