وصنعت له تمثالًا تبدو عليه أمارات العظمة والفطنة والمهابة [1] ، فالزمن على وفق مفهوم الشاعر في عصر ما قبل الإسلام قوة خارقة مخيفة لا تقاوم، وإن محاولة الوقوف في وجهها ليست إّلا ضربًا من الفعل العقيم والأمل الذي سرعان ما يمحقه اليأس، وما جدوى التحصن والتوقي ضد قوة عاتية تمتلك القدرة على الفعل المؤثر، والتدمير الشامل لكل شيء، وقد أودعت صفيّةُ الباهلية صورةَ هذا الزمن في قولها:
أخنى على واحدي ريبُ الزمانِ وما ... يُبقي الزمانُ على شيءٍ ولا يذرُ [2]
إنّ هذا التصور المفزع عن الزمن بأبعاده المدمرة وآثاره المروعة والذي عّبرت عنه الشاعرة الباهلية مستقر تمامًا في ذهن أبي ذؤيب الهذلي المسكون بهاجس الخوف من الدهر الذي لا يبقي ولا يذر حتى لو لاذ المخلوق بالجبال التي تمثل رغبته الفاشلة في الفرار منه، يقول أبو ذؤيب الهذلي:
والدهرُ لا يبقى على حَدثانهِ ... في رأس شاهقةٍ أعزُّ ممنَّعُ
والدهر لا يبقى على حَدثانهِ ... جونُ السراةِ له جدائدُ أربعُ [3]
إنّ هذه القوة الرهيبة التي يمتلك بها الزمن ناصية الأشياء، ويلوي بها ذراع كل قوى آتية من امتداده واستمراره، فهو جارٍ لا يتوقف ومتواصل لا ينقطع ومتجدد لا يقدم وفتاء لا يهرم، وإذا كان من طبع المخلوقات أن تبدأ الحياة ثم تندرج من طور إلى طور وتنتقل من حال إلى أخرى حتى تنتهي الدورة بالفناء، فإن الزمن لا يخضع لشيء من هذا، فهو جَذع لا يهرم، يذهب أهلوه وهو باق، قال ذو الأصبع العدواني:
أَهْلَكْنا الليلُ و النهارُ ... والدهرُ يعدو مصممًّا جَذَعَا [4]
(1) دائرة المعارف (البستاني) : 9/ 245.
(2) ديوان الحماسة: 270.
(3) ديوان الهذليين: 1/ 4.
(4) ديوانه: 55.