إنّ الدهر هو الزمن نفسه، بيد أنه يسمى زمانًا حين ينظر إلى جنسه ويدعى دهرًا إذا ما نظر إلى صفة الطول فيه، أو ما يتبع ذلك الطول من آثار بائنة وانعكاسات بادية على الأشياء والأحوال والناس، تلك الآثار التي قد لا ينته إليها أحد في الزمن ذي المدى القصير، وإنْ كان الزمن القصير أو الجزئيات الصغيرة من الزمن هي التي تفضي إلى الزمن الطويل أو الممدود"الدهر" [1] ، وما الأجزاء الصغيرة من الزمان إّلا حلقات متلاحقة متصلة تنتظم في سلك واحد لخلق الامتداد"الدهر"فالزمن نتاج اختلاف الليل والنهار وليس الدهر بخارج عن هذا الحكم أيضًا، قال امرؤ القيس:
ألا إنّما الدهرُ ليالٍ وأعصرُ ... وليس على شيء قَويمٍ بمستمرْ [2]
وقد بدا مما سبق أن المعجمات اللغوية تناولت الزمان أو الدهر الذي يرادفه [3] في إطار الوقت المجرد في حين نجد الشعر العربي قبل الإسلام من خلال خيال شاعره يصور لنا الزمن أو الدهر قوة مطلقة اليد في شؤون الإنسان متحكمة في مصيره [4]
وليس للإنسان حيال هذا الزمن إّلا القبول بما يحكم، والانصياع لما يملي، فهو صانع الفناء، ومهلك الأحياء، وقد خبّرنا القرآن الكريم عن ظنهم هذا بقوله: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} [5] إن نظرة الشاعر إلى الزمن على هذا النحو أشبه ما تكون بنظرته إلى إله [6] ، ولا غرو في ذلك، فقد رسمت أمم أخرى الزمان إلهًا
(1) ينظر: ديوان حاتم الطائي: ب 1 - 2/ 34.
(2) ديوانه: 109.
(3) هاجس الخلود في الشعر العربي: 97، والحياة والموت في الشعر الجاهلي: 89.
(4) المفصل في تأريخ العرب: 6/ 146 - 149، والأساطير والخرافات عند العرب: 41، ومقالات في الشعر الجاهلي: 365، والصورة معيارًا نقديًا: 212.
(5) الجاثية: 24.
(6) مقالات في الشعر الجاهلي: 345.